بينما يختتم الخبراء في شؤون الشرق الأوسط والداعمون لقضايا المنطقة جدالهم حول الاتفاق النووي الإيراني، يُرجح أن تعود أنظارهم لتتوجه نحو العلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية. ويشير استطلاع جديد للرأي إلى أن آراء الفلسطينيين حول العديد من المسائل الراهنة والمثيرة للجدل أصبحت متباينة بشكلٍ مفاجئ.

فعلى سبيل المثال، ما زال معظم الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة يريدون "تحرير كامل أراضي فلسطين التاريخيّة" يوماً ما، وفي غضون ذلك يعلنون تأييدهم "للكفاح المسلح ولهجمات الدهس ضد الاحتلال". غير أن غالبية الفلسطينيين تؤيد أيضاً التعاون الاقتصادي مع إسرائيل ووقف إطلاق النار بين حركة "حماس" وإسرائيل. حتى إن نصف الفلسطينيين تقريباً يقبلون مبدأ إنشاء "دولة للشعب اليهودي"، لا يكون للاجئين الفلسطينيين "حق العودة" إليها. والسبب وراء هذه المواقف المفاجئة هو أن هذا الاستطلاع طرح بعض الأسئلة لا يتم التطرق إليها عادة في استطلاعات الرأي الأخرى.

ولهذا السبب، وكجزء من جهودنا الرامية إلى فهم المواقف الشعبية في المنطقة بشكل أفضل، رعى "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" استطلاعاً للرأي أجرته مؤسسة فلسطينية رائدة، هي "المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي» ومقرها في بيت ساحور في الضفة الغربية. وأُجري الاستطلاع بين 7 و19 حزيران/يونيو، من خلال سلسلة مقابلات شخصية مع عينات نموذجية بلغ تعدادها 513 فلسطينياً في الضفة الغربية و408 في قطاع غزة، أسفرت عن نتائج يبلغ هامش الخطأ فيها 4.9 في المائة في كل حالة.

وبما أن معظم استطلاعات الرأي في الشرق الأوسط تتناول قضايا الدين والسياسة، يطرح هذا الاستطلاع الكثير من المفاجآت، أولها أن المسائل الدينية والسياسية ليست من ضمن الأولويات القصوى للفلسطينيين في الضفة الغربية أو قطاع غزة. ففي الضفة الغربية، يقول معظم الناس إن أولويتهم هي "كسب المال الكافي لعيش حياة مريحة" (44 في المائة) أو "الحياة العائلية الطيّبة" (34 في المائة). والنتائج في غزة مشابهة، إلا أن غالبية السكان تميل إلى تفضيل العائلة على المال: فقد اختار 31 في المائة من السكان المال، بينما اختار 34 في المائة منهم العائلة. وفي المقابل، لم يختر سوى 14 في المائة من فلسطينيي الضفة و24 في المائة من فلسطينيي غزة "العمل لإقامة دولة فلسطينية" كأولوية قصوى. أما الذين اختاروا "العيش كمسلم (أو مسيحي) طيّب" كأولوية أولى أو حتى ثانية في الضفة الغربية فلم تبلغ نسبتهم سوى 12 في المائة. وفي قطاع غزة، كانت نسبة هؤلاء 19 في المائة، وهي مرتفعة أكثر من الضفة بعض الشيء، ولكنها منخفضة أكثر مما كان متوقعاً.

التركيبة السكّانية في إسرائيل والسلطة الفلسطينية (Flash90/Hadas Parush)

التركيبة السكّانية في إسرائيل والسلطة الفلسطينية (Flash90/Hadas Parush)

أما المفاجأة الثانية، فهي مرتبطة بالأولى وتكمن في أن معظم الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة يؤيدون في الواقع التعاون الاقتصادي مع إسرائيل، بالرغم من الدعم النظري الواسع لمقاطعة إسرائيل. فثلثا سكان الضفة وثلاثة أرباع سكان غزة يقولون إنهم "يرغبون برؤية إسرائيل تسمح للمزيد من الفلسطينيين بالعمل داخل إسرائيل". علاوة على ذلك، تؤيد غالبية الفلسطينيين في الضفة (55 في المائة) ونسبة تعادلها تقريباً في غزة (48 في المائة) "توفير الشركات الإسرائيلية مزيداً من فرص العمل داخل" تلك المناطق. ولدى سؤالهم عن آفاق هذه الاحتمالات العملية حتى "بعد الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة وتكوين حكومة جديدة"، يقول أكثر من ثلث الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة إنهم ما زالوا يرون أن هناك على الأقل فرصة لإحراز تقدم.

وأحد الأسئلة الأساسية ذات الصلة يتعلق بـ "المسؤولية عن بطء عملية إعادة إعمار غزة" - وإن كانت الآراء تتباين كثيراً حول هذه المسألة بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ففي الضفة الغربية، تلقي أكثرية كبيرة من السكان باللوم الأكبر على إسرائيل (40 في المائة)، بينما تلوم نسبة ضئيلة تبلغ 7 في المائة حركة "حماس". ولكن في غزة نفسها، تنعكس الصورة تماماً: فأكثرية السكان (40 في المائة) تحمّل حركة "حماس" المسؤولية الأساسية، بينما تحل إسرائيل في المرتبة الثانية بنسبة 29 في المائة.

ومقارنة بتلك الأرقام، لا تحمّل سوى أقلية بسيطة (10 في المائة من سكان الضفة و20 في المائة من سكان غزة) السلطة الفلسطينية عبء المصاعب التي يواجهها قطاع غزة. ويساعد هذا الأمر في فهم سبب قول سكان غزة بأغلبية ساحقة (88 في المائة) "ينبغي على السلطة الفلسطينيّة أن ترسل مسؤولين وضبّاط أمن إلى قطاع غزّة لتسلّم الإدارة هناك". وهذه النسبة بين سكان الضفة الذين يؤيدون هذه الفكرة مرتفعة ومشابهة تقريباً، إذ تبلغ 81 في المائة.

أما فيما يخص الأسئلة الأوسع حول العلاقات مع إسرائيل وعملية السلام فتتباين آراء فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة كثيراً. فمن جهة، يؤيد معظم الفلسطينيون الهدف البعيد المدى لاستعادة جميع أراضي فلسطين، ويدعمون الكفاح المسلح كوسيلة لتحقيق تلك الغاية. ويقول 58 في المائة من سكان الضفة الغربية و65 في المائة من سكان غزة إنه حتى لو تم التوصل إلى "حل الدولتين"، "الصّراع لم ينته وينبغي استمرار المقاومة حتّى تحرير كامل أراضي فلسطين التاريخيّة". وفي الضفة الغربية، يؤيد 56 في المائة من السكان "الكفاح المسلح وهجمات الدهس ضد الاحتلال"، ولكن 23 في المائة منهم فقط يدعمون هذه الأساليب "بشدة". أما في غزة، فنسبة تأييد هذه التكتيكات العنيفة مذهلة، إذ تبلغ 84 في المائة ، بما في ذلك 53 في المائة من السكان عبّروا عن تأييدهم الشديد لها.

أطفال يشاركون في مهرجان حماس في غزة (AFP)

أطفال يشاركون في مهرجان حماس في غزة (AFP)

ومن جهة أخرى، هناك تأييد مفاجئ وواسع النطاق لبعض حلول الوسط الأساسية مع إسرائيل. فمن الناحية التكتيكية، لعل أكثر نتيجة إحصائية إثارة للدهشة في هذا الاستطلاع كله هي الآتية: يقول 74 في المائة من سكان الضفة الغربية و83 في المائة من سكان غزة إن على "حماس" أن "الحفاظ على هدنة مع إسرائيل" في المنطقتين. بالإضافة إلى ذلك، ومن الناحية الاستراتيجية، يقول نصف سكان الضفة أو أكثر إنهم سيقبلون "على الأرجح" حلول الوسط حول مسألتين أساسيتين. ففي ما يتعلق بتعريف الدولة، يوافق 56 في المائة من سكان الضفة على "مبدأ دولتان لشعبين، الشعب الفلسطيني والشعب اليهودي"، إذا كان ذلك "سيساعد على إنهاء الإحتلال". وبالمثل، فإن 51 في المائة "يقبلون تطبيق حقّ العودة إلى الضفة الغربيّة وقطاع غزّة ولكن ليس إلى إسرائيل". وهذه الأرقام منخفضة أكثر بقليل في غزة ولكنها تبقى مرتفعة: فيؤيد 43-44 في المائة من السكان "على الأرجح" مبدأ "دولتان لشعبين" [وحصر] "حق العودة إلى الضفة الغربيّة وقطاع غزّة ولكن ليس إلى إسرائيل"، إذا كان ذلك الخطوة الأخيرة المطلوبة لإنهاء الإحتلال والتوصّل إلى دولة فلسطينيّة فعليّة في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة.

وبشكل عام، إن الأدلة واضحة: يريد معظم الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة - حالياً، على الأقل - وقفاً لإطلاق النار وتعاوناً اقتصادياً مع إسرائيل - كما أن الكثير منهم قد يقبلون بحلول وسط حول مسائل جوهرية صعبة بهدف إنهاء الاحتلال. وفي هذه الحالة، كما في العديد غيرها، فإن من يطلق المواقف المتشددة هم داعمون خارجيون أو بعض الشخصيات السياسية. لكن الأجدر بهؤلاء أن يتماهوا مع الموقف الواقعي نسبياً للشعب الفلسطيني نفسه.

نشر هذا المقال لأول مرة على موقع منتدى فكرة