حتى اليوم، لا يسعنا إلا التكهّن بالإجابة على هذا السؤال الذي أضحى أكثر إلحاحاً بفعل التقارير الإخبارية التي انتشرت مؤخراً بشأن عمليات اعتقال طالت أتباع التنظيم في هذه البلدان الثلاثة.

مع ذلك، هناك ثلاثة استطلاعات للرأي جديدة - وهي الأولى من نوعها - توفّر بيانات ملموسة يمكن أن نستعين بها للتوصل إلى إجابة واضحة. أجرت شركة تسويقية رائدة في المنطقة هذه الاستطلاعات في أواخر شهر سبتمبر/أيلول، وذلك من خلال مقابلات وجهاً لوجه مع مهنيين محليين من ذوي الخبرة. وكانت العيّنة عشوائية بدون أرجحية لمنطقة جغرافية على أخرى، وضمّت ألف شخص في كل بلد ( فقط مواطني هذه البلدان؛ فالعينة لم تضم اللاجئين أو المغتربين) مما يعني أنّ هامش الخطأ الإحصائي يبلغ حوالى ثلاثة في المئة.

فقط 3% من المصريين عبّروا عن رأي إيجابي تجاه داعش. في السعودية، النسبة أعلى بقليل: 5% ينظرون إلى داعش بنظرة إيجابية. أما في لبنان، فلم يعبّر أيّ من المستطلعين المسيحيين أو الشيعة أو الدروز عن أيّ تعاطف مع داعش، وحتى في أوساط أهل السنة كانت النسبة مشابهة تقريباً وبلغت 1%

أكثر النتائج إثارةً للاهتمام والتشجيع هي أنّ الدعم الشعبي الذي يحظى به تنظيم "داعش" يكاد ينعدم في مصر أو السعودية أو لبنان - حتى بين أهل الطائفة السنة في لبنان. فقط 3 في المئة من المصريين عبّروا عن رأي إيجابي تجاه "داعش." في السعودية، النسبة أعلى بقليل: 5 في المئة ينظرون إلى "داعش" بنظرة إيجابية. أما في لبنان، فلم يعبّر أيّ من المستطلعين المسيحيين أو الشيعة أو الدروز عن أيّ تعاطف مع "داعش،" وحتى في أوساط أهل السنة كانت النسبة مشابهة تقريباً وبلغت 1 في المئة.

ولكن ثمة فارق حقيقي بين أن يكون الدعم "شبه منعدم" أو "منعدماً،" فتعبير نسبة ثلاثة في المئة من المصريين البالغين المستطلعين عن دعمهم لـ "داعش" معناه أنّ التنظيم يحظى بدعم من قبل مليون ونصف مواطن مصري. وفي السعودية فأن نسبة خمسة في المئة من السعوديين البالغين الذين يدعمون "داعش" تعني أكثر من نصف مليون مواطن. وحتى في لبنان، البلد الصغير، فإن نسبة الواحد في المئة من البالغين الذي ينتمون للطائفة السنية تساوي بضع الآلاف من المتعاطفين مع "داعش." وفي كلتا الحالتيْن، تكفي هذه النسبة لأن تأوي على الأقل بعض الخلايا التي تضمّ عناصر قادرة على افتعال المشاكل في هذه البلدان.

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن هذه المعارضة شبه الموحدة لـ "داعش" لا تمتدّ لتشمل المنظمات الإسلامية السياسية الأخرى. ففي مصر على سبيل المثال، تعرب نسبة عالية ومفاجئة - وهي تمثل ثلث مجموع السكان - عن موقفها الإيجابي تجاه حركة حماس. وترتفع هذه النسبة في السعودية لتصل إلى 52 في المئة.

في مصر والسعودية، لا تحظى الولايات المتحدة بدعم أكثر من 12% من السكان

والأكثر مفاجأةً هو أنه على الرغم من حملات القمع و"البروباجاندا" المستمرة من قبل الحكومتين المصرية والسعودية ضدّ الإخوان المسلمين، هناك نسبة 35 في المئة في مصر ونسبة 31 في المئة في السعودية تنظر إلى الإخوان بعين الرضا. وعلى سبيل المقارنة، نجد أنّ منظمة حزب الله الإسلامية الشيعية تحصد على 12 في المئة فقط من دعم غالبية أهل السنة في مصر أو في السعودية.

في ما يتعلق بهذه القضايا وغيرها، الاختلاف بحسب الفئات السكانية المختلفة ضئيل بين المصريين. على سبيل المثال، يحصد الإخوان المسلمون على 37 في المئة من دعم سكان التجمعات الحضرية مثل القاهرة أو الإسكندرية؛ و35 في المئة من دعم سكان الصعيد؛ و33 في المئة من دعم سكان ريف الدلتا. أمّا عينة الاستفتاء الفرعية التي تضمّ المسيحيين الأقباط في مصر، فهي دون العشرة في المئة من المجموع، وهي بالتالي ضئيلة جداً مما يفقدها دلالتها الإحصائية.

أما في لبنان، وعلى الرغم من أنّ الطوائف جميعها تتشارك في نبذها لـ "داعش،" تختلف الآراء بشأن الجماعات الإسلامية الأخرى بفعل الطائفة إلى حدّ كبير - ولكن ليس دائماً بالاتجاه المتوقع. يحظى حزب الله، وكما هو متوقع، بدعم 92 في المئة من الشيعة، ولكنّ شعبيته تنخفض كثيراً بين المسيحيين وتستقر نسبة الدعم له عند حوالي 40 في المئة. ولا يدعمه من بين أهل السنة إلا 8 في المئة. والمفاجئ بالدرجة عينها تقريباً هو مستوى الدعم المنخفض نسبياً لحركة حماس بين السنة في لبنان، وبخاصة بعد مضيّ فترة قصيرة على الحرب الأخيرة في غزة، ولا ينظر إلى هذه الحركة الإسلامية الفلسطينية، وبشكلٍ "إيجابي إلى حدّ ما،" سوى ربعهم.

على الرغم من حملات القمع المستمرة من قبل الحكومتين المصرية والسعودية ضدّ الإخوان المسلمين، هناك نسبة 35% في مصر ونسبة 31% في السعودية تنظر إلى الإخوان بعين الرضا

وهناك نقطة ثالثة مهمة أيضاً وهي أنّ المعارضة المشتركة لـ "داعش،" لا تعني أنّ نسبة الدعم للولايات المتحدة عالية. ففي مصر والسعودية، لا تحظى الولايات المتحدة بدعم أكثر من 12 في المئة من السكان، بينما تتضاعف هذه النسبة إلى 25 في المئة. ولكن مرة أخرى، قضية دعم الولايات المتحدة في لبنان تختلف من طائفة الى أخرى، إذ أن النسبة تنخفض من 39 في المئة بين المسيحيين إلى 30 في المئة بين أهل السنة والدروز، وصولاً إلى نسبة 3 في المئة بين الشيعة (الطائفة الشيعية هي أكبر الطوائف في لبنان). ولتسهيل المقارنة، تبلغ نسبة من ينظرون إلى الصين بشكلٍ إيجابي 38 في المئة بين السعوديين و40 في المئة بين المصريين و54 في المئة بين اللبنانيين.

أما النقطة الرئيسية والأخيرة هنا فتتعلّق بالمواقف الشعبية تجاه عدوّيْن مشتركيْن لـ "داعش،" ألا وهما سوريا وإيران. في مصر والسعودية، بالكاد تتخطى نسبة من ينظرون بشكلٍ إيجابي إلى الحكومة الإيرانية أو السورية منحفضة، وتتراوح بين 13 و14 في المئة في كلا البلدين. وفي لبنان، نجد مرة أخرى أنّ الاستقطاب الطائفي سيّد الموقف في هذه الحالة وإلى درجة مذهلة. تحظى الحكومتين الإيرانية والسورية بنسبة تأييد تتراوح بين 96 و97 في المئة من شيعة البلاد. ولكن تنخفض نسبة التأييد للحكومة الإيرانية إلى 12 في المئة بين السنة، أما الحكومة السورية فتحظى بنسبة 14 في المئة من تأييد السنة. ولكن من المثير للاهتمام أنّ المسيحيين يقفون في الوسط، إذ أعرب أكثر من ثلثهم (37٪) عن تصنيفهم "الإيجابي إلى حدّ ما" لإيران، بينما يمنح ما يقارب نصفهم (47%) هذا التصنيف للحكومة السورية، إذ يُنظر إلى نظام بشار الأسد في بعض الأحيان على أنه يوفّر الحماية من "داعش" والمتطرفين الإسلاميين الآخرين.

ماذا تعني كل هذه الأرقام بالنسبة للحملة الأمريكية الحالية ضد "داعش؟" قد يكون الرأي العام متقلباً، لكن النتائج التي توصل إليها هذا التحليل توضح عدّة أمور مهمة للسياسة الأمريكية في الوقت الراهن. أولاً، لا يفترض بالولايات المتحدة وحلفائها أن تخشى أن يستقطب تنظيم "داعش" عدداً كبيراً من المناصرين في المجتمعات العربية المجاورة لبلديْ منشأ التنظيم. وليس عليها أن تخشى أي ردّ فعل شعبي قوي ضدّ الغارات الجوية الأميركية أو ضدّ حلفائنا العرب الآخرين في هذه المعركة. ثانياً، حريّ بالولايات المتحدة أن تستهدف بعملياتها تنظيم "داعش" فقط، وليس أيّ جماعة إسلامية أخرى كانت موضع انتقادات أميركية مؤخراً، إذ أنّ ذلك قد يزيد من الشعبية الكبيرة لهذه الجماعات. ثالثاً، فأن أي انفتاح أميركي على الرئيس السوري بشار الأسد أو إيران، كشريكيْن محتمليْن لمواجهة "داعش،" يعد مخاطرة كبيرة، إذ أنه قد يبعد الشعب المصري والسعودي أكثر فأكثر عن الولايات المتحدة ويغذّي أتون نيران الاستقطاب الطائفي الخطير بين اللبنانيين في الوقت عينه.

نشر هذا البحث لأول مرة على موقع منتدى فكرة