في كانون الثاني 2002، في أحد أعنف خطاباته، أعلن الرئيس جورج و. بوش قيام "محور الشر" - محور وهمي لثلاث دول داعمة للإرهاب، تسعى إلى حيازة أسلحة دمار شامل، وتشكّل خطرًا ملموسًا على السلام العالمي. وكان الأعضاء الأصليون في المحور إيران، العراق، وكوريا الشمالية. بعد إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، احتلت سوريا مكانه في محور الشر. وكشف دايفيد فروم، مُعدَ خطابات البيت الأبيض في ذلك الحين، في مذكراته أنّ سبب إدخال ثلاث دول في الخطاب كان أنّ ثلاث دول تبدو محورًا أكثر من مجرّد اثنتَين. وأدّت هذه الاعتباطيّة، التي أدخلت الشرق الأوسط في دُوار هائل، إلى صوغ إدراك الرأي العام بشأن كل ما حدث في الشرق الأوسط مذّاك.

ومرّت عضو الشرف في محور الشر، إيران، تغييرات داخلية بعيدة المدى منذ ذاك الخطاب. وكما كُشف منذ فترة طويلة، فإنّ إيران عرضت مساعدتها في توطيد الاستقرار في أفغانستان بعد الإطاحة بطالبان. حتى إنّ الرئيس خاتمي وصل إلى حدّ اقتراح حوار مفتوح بين الولايات المتحدة والغرب من جهة وإيران من جهة أخرى. مذّاك، مرّت على إيران ثماني سنوات صعبة من حكم الرئيس أحمدي نجاد مع توترات واضطرابات داخلية عديدة، وصراع بدا غير قابل للحل مع الولايات المتحدة وأوروبا في الشأن النووي.

بعد اندلاع الثورة في سوريا، واصلت إيران دعمها للأسد. في فترة أحمدي نجاد، وكذلك بعد انتخاب حسن روحاني رئيسًا، كانت المحافظة على سوريا الأسد مصلحةً إيرانية رئيسية. لكن نقطةُ التحول كانت حين تبيّن أنّ الأسد هاجم متمردين ومدنيين بسلاح غير تقليدي. فخلال ساعات معدودة من كشف الوقائع والأرقام، خرج مسؤولون من جميع المستويات السياسية الإيرانية في إدانة شديدة للأسد ولاستخدام السلاح الكيميائي. وذكّر كلّ المستنكِرين تقريبًا باستخدام صدام حسين للسلاح الكيميائي في الحرب الإيرانية - العراقية ضدّ مدنيين إيرانيين، بدعم من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.

ضحايا الهجوم الكيميائي في إيران جراء حرب إيران - عراق (AFP)

ضحايا الهجوم الكيميائي في إيران جراء حرب إيران - عراق (AFP)

وألقى الرئيس السابق، آية الله هاشمي رفسنجاني، خطابًا يوم الجمعة الماضي أمام مسؤولين في حسينية جمران، مقارِنًا بين استخدام الأسد للسلاح الكيميائي واستخدام العراق له إبّان الحرب. ووفقًا للتقرير في موقع "كلمة"، قال رفسنجاني إنّ الأسد فقد بذلك شرعيته، تمامًا كما جرى لصدّام في تلك الحرب. واستنكر الرئيس حسن روحاني هو الآخر الأمر بشدة في تويتر وفيس بوك. وبين ما كتبه: "ندين بشدة استخدام سلاح كيميائي في سوريا، لأنّ إيران نفسها كانت ضحية للسلاح الكيميائي. فقد جرت مهاجمة إيران بسلاح كيميائي من قِبل قوات عراقية في الحرب الإيرانية - العراقية بين السنوات 1980 و1988". كذلك، تحدّث المرشد الأعلى للثورة، علي خامنئي، في موقعه على الإنترنت عن معارضة إيران بشكل عام لاستخدام سلاح غير تقليدي على خلفية دروس الماضي، وإن لم يتطرق مباشرةً إلى سوريا. وآثر خامنئي التشديد على دور الولايات المتحدة في استخدام هذا السلاح، كما أُثبت في العراق وأماكن أخرى.

سوريا هي دولة هامة في المشروع الجيوسياسي لإيران. ويمكن الافتراض أنّه لولا استخدام سلاح كيميائي، كانت إيران ستواصل دعم الأسد دون حساسية زائدة لمئات آلاف القتلى في الحرب هناك. لكن لا يمكن تجاهل حساسية إيران من استخدام هذا السلاح ومعارضتها الشديدة له، ما يناقض في الظاهر مصلحتها السياسية.

ويمكن إيجاد دلائل على هذا الصراع الداخلي في الطرق التي عملت عبرها إيران لمنع تسرُّب السلاح الكيميائي أو لخلق تعاون واسع وخفي حول سوريا. ونشرت وكالة الأنباء "نسيم" نبأً من مقابلة مع وزير الخارجية محمد جواد ظريف، مفاده أنّ إيران أبلغت الولايات المتحدة، قبل نحو تسعة أشهر، بشكل رسمي عن مواد كيميائية نُقلت إلى سوريا. بكلمات أخرى، شاطرت إيرانُ الولايات المتحدة بمعلومات استخبارية ثمينة حول النوايا السورية باستخدام سلاح كيميائي. ودعا الرئيس روحاني مؤخرا على تويتر إلى تحقيق شامل وغير منحاز تجريه الأمم المتحدة حول نطاق الهجوم الكيميائي في سوريا، داعيًا إلى تعاون دولي واسع في الشأن السوري.

جنود ايرانيين يحملون توابيت تضم رفات جنود ايرانيين قتلوا خلال حرب 1980 1988 (AFP)

جنود ايرانيين يحملون توابيت تضم رفات جنود ايرانيين قتلوا خلال حرب 1980 1988 (AFP)

وكما ذُكر آنفًا، يعارض الموقف الرسمي الإيراني استخدام سلاح غير تقليدي (بما فيه النووي) بسبب التجربة المريرة في الحرب الإيرانية - العراقية. وقد كان هذا موقفَ إيران على مر السنوات الأخيرة، بما فيها سنوات رئاسة محمود أحمدي نجاد. أمّا الدول الغربية ففضلت تجاهل هذا الموقف بشكل غير لائق. إذًا، يبدو الآن أنّ استخدام سلاح كيميائي في سوريا أحدث انقلابًا في دعم إيران العلني لبشار الأسد رغم مصالحها الإستراتيجية في سوريا.

حتى إن لم تُترجَم معارضة إيران المبدئية لاستخدام السلاح الكيميائي خطواتٍ عملية على مستوى العلاقات الدولية، فمن المهم أن تولي طواقم المفاوضات في الشأن النووي هذا الأمر اهتمامَها.

هذا التحليل المثير هو لأحد الكتاب الأكاديميين العاملين في موقع "Can Think"، والمختص في شؤون الشرق الأوسط. ونضيف أن الموقع "Can Think" هو مشروع مستقل، لا يمت بصلة إلى أي جهة سياسية أو اقتصادية، ويعمل بموجب نموذج اشتراكي. الكُتاب والعاملون في الصحيفة هم أكاديميون، يقدمون تحليلات موضوعية من منظور بحثي.