في العام 1985، وخلال نقاش جماهيري حاد وساخن، أطلقت إسرائيل سراح أكثر من 1150 أسيرا فلسطينيا مقابل ثلاثة أسرى إسرائيليين كانوا أسرى لدى الجبهة الشعبية - القيادة العامة، بما عُرف باسم "صفقة جبريل".

وبعد نحو 10 سنوات، في كتابه الشهير "مكان تحت الشمس" تطرق نتنياهو إلى ذلك القرار البائس، وقال: "منذ البداية اعتبرت صفقة جبريل ضربة قاضية لكل جهود إسرائيل في بلورة جبهة دولية ضد الإرهاب. كيف يمكن لإسرائيل أن تدعو الولايات المتحدة والغرب إلى تبني سياسة عدم الاستسلام للإرهاب، في الوقت الذي تستسلم هي بنفسها وبشكل مهين إلى هذا الحد؟ كنت على قناعة أن إطلاق سراح نحو ألف مخرب سيدخلون إلى منطقة الضفة الغربية وغزة، سيؤدي بالضرورة إلى تفاقم فظيع للعنف، لأن هؤلاء الإرهابيين سوف يُستقبلون كأبطال، وكمثال يحتذي به الشباب الفلسطيني... وسرعان ما ظهرت النتائج. وقد اتضح اليوم أن إطلاق سراح المخربين الألف كان أحد العوامل التي وفرت ذخيرة من المحرضين والزعماء الذين أضرموا نار الانتفاضة.

كثيرون في الجمهور الإسرائيلي، وبالأساس بين أوساط مؤيدي نتنياهو ذاته، يواجهون صعوبة في فهم موافقة من يقود خطا هجوميًا جدًا ضد الإرهاب، على إطلاق سراح مجرمين قتلوا إسرائيليين، وكان من المعروف أنهم سيلقون ترحاب الأبطال بين أوساط الفلسطينيين، وبهذا سوف يوجهون رسالة تثير المشاكل إلى الجيل الصاعد.

لقد أطلق نتنياهو سراح مئات الأسرى مقابل جلعاد شاليط، غير أنه في هذه المرة، يبدو للكثيرين وكأن إطلاق السراح المخطط له لأكثر من مئة أسير فلسطيني، يبدو من دون سبب، وفقط من أجل إرضاء الزعامة الفلسطينية.

غير أن النظر إلى الإمكانيات التي توفرت أمام نتنياهو يُبدي صورة أكثر تعقيدا.

حيال الرفض الفلسطيني الدخول في مفاوضات من دون شروط مسبقة، والضغط الأمريكي المتوالي، وبالأساس من قبل وزير الخارجية كيري، تبلور لدى نتنياهو إدراك بأنه يجب أن "يقدم شيئًا ما للفلسطينيين"، لكي "لا يمنحهم ذريعة للتملص من المفاوضات"، كما عرف ذلك مقرّبوه.

وكانت قائمة المطالبات الفلسطينية طويلة جدا، وبعد مفاوضات متواصلة اتضح أن أمام نتنياهو ثلاثة خيارات: الموافقة على مطالبة الفلسطينيين إدارة المفاوضات على أساس حدود عام 67، الذي يعارضه، الموافقة على تجميد المستوطنات في الضفة الغربية، بما فيها في الكتل الاستيطانية - وهذا كان سيؤدي إلى انسحاب جزء من شركائه في الائتلاف، أو الموافقة على إطلاق سراح الأسرى.

لقد فضل نتنياهو، على ما يبدو، استيعاب الانتقاد الجماهيري والموافقة على إطلاق سراح الأسرى. ناهيك عن أنه يبدو أن استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، سوف يزيد من شعبيته (استطلاع تم نشره في نهاية الأسبوع وأظهر أن دعم نتنياهو قد ارتفع إلى 70%).

السبب هو أنه على الرغم من السابقة المثيرة للمشاكل من جهة نتنياهو، إلا أن هناك فهم أن هذه ليست خطوة استراتيجية من ناحية دولة إسرائيل، وأنها مهمة جدًا لعباس وللفلسطينيين، حيث أن موضوع الأسرى هو موضوع رئيسي في الرأي العام الفلسطيني، ومن شأنه أن يزيد دعم المفاوضات مع إسرائيل.