تصاعدت حدة الجدل في الاردن حول اتفاق مرتقب تصبح بموجبه اسرائيل المصدر الرئيسي للغاز الى المملكة خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة، في ظل معارضة شديدة لذلك بعد عشرين عاما من معاهدة سلام موقعة بين البلدين.

وما يزال الاتفاق، وكلفته 15 مليار دولار، بانتظار موافقة الحكومة لكن من شأنه ان ينهي اعتماد المملكة على امدادات الغاز المصري المتوقفة بسبب عمليات التخريب وتقليل الفاتورة السنوية للطاقة بنحو ملياري دولار.

ويمثل الاتفاق اهم تعاون بين الجانبين منذ توقيع معاهدة السلام عام 1994 .

وقد اعلنت شركة الطاقة الاميركية "نوبل انيرجي" المشغلة لحقل ليفاتيان للغاز الطبيعي قبالة سواحل اسرائيل في الثالث من ايلول/سبتمبر الماضي توقيع مذكرة تفاهم لبيع 45  مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي لشركة الكهرباء الاردنية.

وكان الاردن يستهلك ما معدله 100 الف برميل من النفط الخام يوميا، ارتفعت الى نحو 170 الف برميل بسبب انقطاع الغاز المصري.

وتقول الحكومة ان فاتورة النفط لهذا العام بلغت 4 مليارات دينار (نحو 5,6 مليار دولار) وتستنزف ما مقداره 40 % من حجم موازنتها العامة البالغة نحو 10 مليارات دينار (نحو 14 مليار دولار).

ولكن ثمة معارضة متزايدة للاتفاق في الداخل خصوصا لدى البرلمانيين والاسلاميين والنقابيين، الذين يقولون إنه على إسرائيل الوفاء أولاً بتعهداتها بشأن السلام.

وعقد البرلمان الثلاثاء جلسة لمناقشة الاتفاق المثير للجدل بعد ان تقدم 79 نائبا من مجموع 150 بمذكرة تطالب بالغائه.

وقال رئيس لجنة الطاقة النيابية جمال قموة لوكالة فرانس برس ان "أمن التزود بالطاقة مسألة مهمة جدا لانها جزء من الامن الوطني فكيف نربطه بشكل مباشر بعدو لا يحترم المواثيق والعهود اطلاقا".

واضاف "صحيح بيننا اتفاقية سلام لكن اسرائيل لا تحترمها بدليل انها تنادي كل يوم ان يكون الاردن وطنا بديلا (...) كما انها تحتل وتغتصب الاراضي الفلسطينية. وبالتالي كيف لنا ان نبرم هكذا اتفاق مع هذا العدو".

واوضح ان "رهن ارداتنا بالعدو الصهيوني ستكون له كلفة عالية يجب ان ناخذها في الحسبان. فالمسألة ليست شراء الغاز واسعار فحسب بل هناك تبعات اخرى لا يجب ان ننساها او نتغاضى عنها".

ودعا قموة الحكومة الى البحث عن "بدائل والتركيز على مسألة الطاقة المتجددة وتوسيع قاعدتها او استيراد الغاز من دولة اخرى".

من جهته، اعتبر المحلل الاقتصادي يوسف منصور ان "هذه ستكون خطوة غبية جدا، فلا يمكن ان يكون هناك سبب مجد لاعتمادنا على الغاز الاسرائيلي".

واضاف لوكالة فرانس برس "في حال قررت اسرائيل قطع كميات الغاز علينا أو رفع الاسعار فاننا لن نستطيع ان نفعل شيئا وسنصبح تحت رحمة دولة كانت عدو للاردن حتى عام 1994".

واوضح ان "هناك أيضا احاسيس ومشاعر يجب احترامها، عندنا 400 الف لاجىء فلسطيني في المخيمات ونصف شعبنا لديه اقارب في فلسطين، لا نستطيع ان نكون موضوعيين بكل تجرد وعمليين في التعامل مع السياسة والتعامل مع الشعب".

يذكر ان الاردنيين من أصول فلسطينية يشكلون نحو نصف عدد سكان المملكة البالغ قرابة سبعة ملايين نسمة.

ورأى منصور ان "هناك خيارات اخرى (...) كشراء النفط من السوق العالمية اين المشكلة في ذلك خصوصا وان الاسعار هبطت كثيرا".؟

وكان الاردن يعتمد على امدادات الغاز المصري التي ناهزت 100 مليون قدم مكعب يوميا لانتاج 80 بالمئة من الكهرباء، قبل التحول الى الوقود الثقيل الذي تقول الحكومة انه يكلفها خسائر تقارب خمسة ملايين دولار يوميا.

وتعرض الانبوب الناقل للغاز الى سلسلة من الهجمات في شبه جزيرة سيناء المصرية، بعد الثورة التي اطاحت بالرئيس المصري حسني مبارك في 2011.

وقبل ذلك، كان العراق يزود الاردن بكميات من النفط باسعار تفضيلية واخرى مجانية في عهد الرئيس الراحل صدام حسين.

ومنذ الغزو الاميركي للعراق عام 2003، رفع الاردن اسعار المشتقات النفطية اكثر من مرة.

من جانبه، اكد حزب جبهة العمل الاسلامي، الذراع السياسية للاخوان المسلمين وابرز احزاب المعارضة في الاردن، في بيان "ادانته ورفضه" للاتفاقية التي من "شأنها أن تدعم اقتصاد العدو الصهيوني، وتساهم في استمراره لقتل أهلنا في فلسطين وتعمل على إطالة أمد احتلاله البغيض".

وطالب الحزب بعدم تمرير الاتفاقية.

لكن وزير الطاقة الاردني محمد حامد دافع امام البرلمان عن الاتفاق، مؤكدا ان بلاده ستتخذ "القرارات الاستراتيجية التي تمنحنا أمن التزود بالطاقة دون تردد".

واوضح ان شراء هذا الغاز "لا يهدد مستقبل الاردن ولا يضع اقتصادنا رهينة بيد أي دولة".

واضاف ان "التخوف من وضع الاردن بموقف يجعله اسيرا لبلد معين غير وارد"، مشيرا الى ان بلاده تعتزم "استيراد الغاز من مصادر متعددة".

وبحسب حامد فان اسعار الغاز يمكن ان "تساهم في تخفيض فاتورة الطاقة الكهربائية السنوية بحوالي 1,3 مليار دينار (حوالى 2 مليار دولار) سنويا".

واكد انه "لابد من خفض كلف انتاج الكهرباء (...) فالمصلحة الاردنية العليا اهم من اي اعتبارات اخرى".

وحذر حامد من ان الخيارات الاخرى المتاحة لوقف مسلسل خسائر الشركة تتمثل ب"قطع مبرمج للكهرباء في كافة مناطق المملكة لمدة 8 ساعات يوميا" او "رفع اسعار الكهرباء بنسب عالية جدا لاسترداد الكلفة".

ويأتي هذا الجدل بعد اكثر من شهر على استدعاء المملكة سفيرها في تل ابيب احتجاجا على "الانتهاكات" الاسرائيلية في القدس.

ويعاني الاردن من ظروف اقتصادية صعبة وشح في الموارد الطبيعية ودين عام تجاوز 23 مليار دولار.