من الصعب جدًّا التقليل من شأن مناصب رئيس الحكومة الأسبق ووزير الدفاع السابق إيهود باراك وإسهاماته. فسنواته في المنظومة الأمنيّة أكسبته لقب "السيّد أمن"، لكنّه لم يكُن سياسيَّا ماهرًا. فقد تفكّكت حكومته الأولى (1999) بعد أقلّ من سنتَين على تأليفها بسبب فشله في إدارة المفاوضات مع الفلسطينيين وإدارة الائتلاف بشكل سيء وغير مترابط. حتّى عودته إلى السياسة بعد سنوات كانت عودةً إشكاليّة. فقد أغضب عددًا غير قليل من السياسيين في اليسار الإسرائيلي، أدّى إلى انقسام حزب العمل وتفكّكه، فضلًا عن تحالفه المبدئي والوظيفي الغريب جدًّا مع رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، حتّى تقاعُده السياسي (طوعًا) في تشرين الثاني 2012.

تصدّر اسم باراك العناوين في الأسبوعين الماضيَين بعد التقارير في وسائل الإعلام الاقتصادية حول شرائه خمس شُقق فاخرة في أبراج ‏ICON TLV في مدينة تل أبيب بمبلغٍ يصل إلى 12.5 مليون شيكل (نحو 3.5 ملايين دولار) من أجل تحويلها إلى شقّة واحدة كبيرة.

يؤدي عيشه حياةً تتّسم بالبهرجة والتباهي، سفراته إلى خارج البلاد لأسابيع طويلة، استضافته في احتفالات ومهرجانات سينمائية هامّة ومقابلتُه في مؤتمَرات أمنية دُوليّة مُعتبَرة إلى توجيه سهام انتقادٍ قاسية نحوَه. لكنّ آخر ما وصل إليه هو العقارات، التي يبدو أنها تتيح للجنرال والسياسيّ السابق أن يعوّض نفسه عن السنوات الطويلة التي خدم فيها الدولة، وتزوّده بكلّ ما هو مطلوب ليحقّق أحلامه القديمة.

كما هو معلوم، ليست هذه هي المرة الأولى التي تجتذب صفقات العقارات الخاصّة بباراك نيران الانتقاد. فبعدَ نشر بيع شقّته في مشروع إكيروف لمليونير إسرائيلي مقابل 26.5 مليون شاقل (نحو 7.5 ملايين دولار)، وبعد أن اشترى شقتَين في "أبراج أسوتا" في مركز تل أبيب بمبلغ ثمانية ملايين شاقل (نحو مليونَين و300 ألف دولار)، انتشر انتقاد جماهيري حادّ لنمط الحياة المتباهي للزعيم السابق. لكن اليوم، فيما هو مرتاح، بعيدًا عن الأعين الناقدة للجمهور، يبقى أساسًا السؤال: من أين له هذا؟ يُطرَح السؤال لأنّ معظم حياة باراك خُصِّص للعمل العسكريّ والسياسيّ.

أفضل منصة وثب مهنيّة في إسرائيل لتصبح غنيًّا هي السياسة، وهذا ما يثبته رؤساء الحكومات الأخيرة: نتنياهو، باراك، وأولمرت. فمنذ لحظة إنهاء مهامّهم كرؤساء للحكومة، مع حساب مصرفيّ خصب، تحوَّلوا إلى حيتان ماليّة صغيرة. وقد نال باراك، بفضل مناصبه العديدة في السياسة الإسرائيلية والمنظومة الأمنية، مفاتيح للكثير جدًّا من الأقفال في البلاد والعالَم. فالقادة الإسرائيليّون معروفون جدًّا في دول إفريقيا وأوروبا الشرقية، وهم يصِلون بسُهولة بين رجال الأعمال والحُكّام.

باراك هو رجُل عليك أن تحجز موعدًا للقائه، ومن الواضح للجميع أنه يجلب معه جميع الزبائن. لهؤلاء الرجال مكانتهم كمسؤولين سابقين من جهة، وهم يواظبون على إجراء المقابلات وإلقاء المحاضرين كـ"سابقين" قابلين للعودة، ومن جهة أخرى يمثّلون تنوّعًا من المجموعات المهنيّة - يمكن دعوتُهم وسطاء. حين يعتقد الناس أنك يمكن أن تعود إلى منصبك في المستقبَل، يستجيبون لتودّدك ووساطتك، ويدفعون ثمنًا غاليًا لذلك.

ايهود باراك يعمل كمستشارأمني لعدة شركات (Flash90/Ariel Hermoni)

ايهود باراك يعمل كمستشارأمني لعدة شركات (Flash90/Ariel Hermoni)

بدأ باراك طريقه نحو الملايين الأولى عام 2001، مع انتهاء ولايته كرئيس حكومة. وقد ألقى محاضرات عبر وكالة "هاري ووكر"، التي يتمثّل فيها حتّى اليوم. بلغ أجرُه الأوليّ نحو 8500 دولار في الساعة. لكن في السنوات الأخيرة، بعد أن عمل وزيرًا للدفاع، ارتفع المبلغ إلى 70 حتى 100 ألف دولار في الساعة (لا يشمل الدفع الكامل للفندق، والرحلات الجوية والبرية).

انضمّ باراك إلى عددٍ من الشركات بوظائف تتراوح على المدى الضبابيّ بين "مستشار المدير العامّ" و"رئيس فخريّ". يقدِّم باراك استشارةً وإرشادًا للشركات، بحيث يرسم لها الوضع السياسي، الاجتماعيّ، والاقتصادي في الوقت الحاليّ - في الشرق الأوسط خاصّةً والعالم عامّةً - وبذلك يساعدها على بلوَرة خطواتها المهنيّة. وتضيف إليه خبرته كوزير دفاع معرفةً كبيرة في التكنولوجيا المتقدِّمة، منظومات الحماية، وشؤون داخليّة أخرى، تحلم هيئات عديدة سنواتٍ طويلة للوصول إلَيها.

على سبيل المثال، عيّنه هذا الشهر البنك السويسري الدولي "يوليوس بار"، الذي فتح ممثليةً له في إسرائيل"، "مستشارًا للشؤون الجيوسياسيّة". وفي مقابلة مع "ذا ماركر"، أوضح المدير العامّ للبنك، ستيفان كامب، أنه "من المهمّ للهيئات الماليّة أن تعرف من رجُل عليم كان في عالَم السياسة سنينَ طويلة، ماذا يجري وراء الكواليس، أية نقاشات مطروحة على جدول الأعمال، وماذا يجري في مناطق مختلفة في العالم، وأن تستغلّ الفرص في تلك الأماكن. وكون باراك تبوأ منصب وزير الدفاع، ويمتلك معلوماتٍ ومعارف في عالَم تكنولوجيا المعلومات وشؤون الحماية أمر مساعد جدًّا. حين يأتي المدير العامّ للقاء باراك، فهذا أمر هامّ جدًّا لأعضاء الجالية اليهودية".

وزير الدفاع الأسبق إيهود باراك وعقيلته نيلي بريئل يتنزهون في تل أبيب (Flash90/Roni Schutzer)

وزير الدفاع الأسبق إيهود باراك وعقيلته نيلي بريئل يتنزهون في تل أبيب (Flash90/Roni Schutzer)

مع عودة باراك إلى السياسة (2007)، تخلّى وزير الدفاع عن أعماله الخاصّة. لكن ليس كاملًا، ففي آذار 2012، كشفت صحيفة "هآرتس" أنّ باراك يمتلك أسهمًا بقيمة مئات آلاف الدولارات في شركة أمريكية للمعدّات العسكرية اسمها "سيالوم تكنولوجيا"، أعلنت عن نيّتها بتطوير أعمالها في السوق الإسرائيلية. ادّعى المقرَّبون من باراك حينذاك أنّ الأسهم مملوكة ومُبلَّغ عنها بشكل قانوني، وواصل باراك شغل منصبه، لكنه في تشرين الثاني 2012، سئم الانتقاد الجماهيري الدائم، وأعلن عن شعوره بأنه استنفد طاقاته، وترك السياسة. مذّاك، يكاد لا يُرى باراك وزوجته الحاليّة، نيلي بريئيل، في إسرائيل.

اليوم، يقطن باراك (72 عامًا) وبرئيل (70) في الطابق 14 من الأبراج الفاخرة "جيندي" في جادة شاول الملك في تل أبيب. تبلغ مساحة بيتهما 220 مترًا مربّعًا، وأجرة الشقة 25 ألف شاقل شهريًّا، دون حساب رسوم الإدارة الشهرية بقيمة 7000 شاقل. خارج البيت، هناك رجال أمن من الشاباك، يرافقونه أيضًا في رحلاته في البلاد وخارجها.

يذكر الأصدقاء والمعارِف أنه لا يبدو أنّ باراك يحنّ كثيرًا إلى السياسة. فبرنامجه متغيّر. إذا كان في البلاد، يصحو غالبًا قرابة الخامسة أو السادسة صباحًا، يقرأ الصحف، يتناول الفطور مع موسيقى كلاسيكيّة، وأحيانًا - إذا سمح برنامجه - يتدرّب نحو ساعتَين على آلة المشي في منزله، ضمن حمية بدأ بها (من جديد) مؤخرًا.

نتنياهو وباراك أصدقاء (Flash90/Avi Ohayon)

نتنياهو وباراك أصدقاء (Flash90/Avi Ohayon)

حين يفرغ باراك من أعماله، يخصِّص وقته لعددٍ من الهوايات. أوّلًا، يُكثر من القراءة: كتب فيزياء، كيمياء، رياضيات، وسِيَر حياة زعماء. مَن أنهى في الماضي اللقب الأول في الفيزياء والرياضيات في الجامعة العبرية واللقب الثاني في هندسة الأنظمة الاقتصادية في جامعة ستانفورد يدرس اليوم مساقات في جامعة ستانفورد عبر الإنترنت، عن مواضيع مثل التطوُّر وجسم الإنسان، العلم، والطبّ. كلّ مساء، يمشي على الأقدام نحوَ ساعة ونصف مع نيلي، ويُشاهَد أحيانًا في مسيرات هرولة في شوارع تل أبيب. في هذه الأثناء، يواصل باراك وزوجته نيلي عمليّة تحوّلهما إلى خبيرَي عقارات يُجريان صفقات ناجحة جدًّا، التنزه في العالم الكبير، وتطوير علاقات مهنيّة متفرّعة جدًّا.

ثمّة مَن يأمل أن يعود باراك إلى السياسة لكي يقود مع نتنياهو حزبًا جديدًا قد ينجح في قيادة خطوات هامّة في مسائل أمنية ثقيلة مثل: المفاوضات العالقة مع الفلسطينيين، والشأن النووي الإيراني. لكن في الوقت الراهن، ينجح باراك في التمتُّع برخاء الحياة الهانئة.