أعلن رئيس منظمة الرفاه الإيراني، الدكتور همايون هاشمي، هذا الأسبوع أنّ المركز الأول للفطام عن الكحول سيبدأ نشاطه قريبًا في طهران. وفي لقاء مع وكالة الأنباء "مهر" قال هاشمي إنه على ضوء التزايد المستمر في استهلاك الكحول في السنوات الأخيرة، قرّرت منظمتنا وضع إقامة مراكز للفطام عن استهلاك الكحول في أعلى سلّم أولوياتنا. وسيبدأ المركز الجديد نشاطه خلال أشهر قليلة بعد أن منحت السلطات في شهر أيلول الماضي لأول مرة منذ الثورة الإسلامية ترخيص تشغيل مراكز تجريبية للفطام عن الكحول.

وفي الوقت نفسه، أطلقت السلطة القضائية حملة دعائية ضد استهلاك الكحول، وتم في إطارها توزيع ملصقات تحذّر من العواقب الوخيمة من تناول المشروبات الروحية. وقد حوَت الإعلانات معلومات حول آثار شرب تلك المشروبات على الصحة ومخاطرها، واقتباسات من مصادر فقهية إسلامية تحرّم تناول المشروبات الروحية وتفصيل للعقوبة التي ينصّ عليها القانون لمن يتم القبض عليه متلبّسا بتناول المشروبات الروحية.

تم منع تناول المشروبات الروحية في إيران بعد وقت قصير من الثورة الإسلامية. وينص القانون على عقوبات قاسية بخصوص تناول المشروبات الروحية. من يتم الإمساك به وهو متلبس بشرب الكحول، فمن المقرر معاقبته بـ 80 جلدة وبغرامة مالية. ومن يتم الإمساك به للمرة الثالثة فمن المتوقع أن يُعاقب بالإعدام. ويُسمح لأبناء الأقليات الدينية غير المسلمة بتناول المشروبات الرويحة بل وصناعتها للاستخدام الشخصي، ولكن لا يُسمح لهم بتناول الكحول في الأماكن العامة أو بيعها للمسلمين.

ورغم الحظر المفروض على استهلاك المشروبات الروحية فإنّ هناك تزايدًا كبيرًا في انتشار الظاهرة، وخصوصًا بين الشباب. تبيّن في أحد الأبحاث التي أجريت في السنوات الأخيرة أنّ قرابة 80% من الشباب الذين شاركوا فيه، استهلكوا المشروبات الروحية مرة أو مرتين على الأقل في حياتهم. وبعد سنوات من محاولة السلطات الإيرانية قمع الظاهرة، اضطر مسؤولون إيرانيون في العامين الأخيرين للاعتراف بها. وقد صرّح رئيس قوى الأمن الداخلية، إسماعيل أحمدي – مقدم، في العام الماضي أنّ عدد المدمنين على الكحول في إيران وصل إلى 200 ألف مدمن. وفي العام الفائت، تم توقيف بضع مئات من السائقين خلال قيادتهم للسيارة تحت تأثير الكحول، ومن ضمنهم عشرات النساء أيضًا. وقد اضطر كذلك نائب وزير الصحة السابق، بكر لاريجاني، على الاعتراف بالظاهرة، وأفاد في شهر أيار 2012 أن التقارير التي وصلت إلى مكتبه تشير إلى إفراط في استهلاك المشروبات الروحية في أحياء جنوبي طهران، والتي يسكنها مواطنون ذوو خلفية تقليدية وينتمون إلى طبقات اقتصادية متدنية. وقد أشار إلى أن الحديث يجري عن ظاهرة مقلقة جدًا، وتتطلب المزيد من الاهتمام من قبل السلطات.

الإمساك بمهربي الكحول، تشرين الثاني 2010

الإمساك بمهربي الكحول، تشرين الثاني 2010

وقد أدى التزايد الكبير في استهلاك الكحول إلى ارتفاع بنسب مئوية كبيرة جدًا في تهريب المشروبات الروحية من الخارج، وتحديدًا من العراق. وقد وصل نطاق تهريب المشروبات الكحولية في إيران، وفقًا لتقديرات مختلفة، إلى 60 – 80 مليون لتر سنويًا. ويؤدي الحظر المفروض على إنتاج الخمر، والسعر المرتفع للمشروبات المهرّبة، بالكثير من الإيرانيين إلى استهلاك مشروبات روحية من صنع محلي. يتم إنتاج الكثير من هذه المشروبات، وتوزيعها في "السوق السوداء"، بجودة متدنية، ممّا يعرّض صحة المستهلكين إلى الخطر. وقد سُجّل في العام الماضي ارتفاع كبير في عدد المواطنين الذين لقوا حتفهم نتيجة التسمم الكحولي. وقد وقع الحادث الأكثر خطورة في حزيران 2013 في مدينة رفسنجان جنوب شرق إيران. فقد توفي عشرات الشباب، معظمهم تصل أعمارهم إلى أقل من 27 عامًا، وتم نقل مئات آخرين إلى المستشفيات في أعقاب تسمم كحولي نتيجة شرب المشروبات الروحية، التي احتوت كما يبدو على مزيج خطير من الإيثانول والميثانول.

تستثمر السلطات الإيرانية، على ضوء تصاعد الظاهرة، جهودًا كبيرة في محاولة الحد منها. فقد زادت قوة الأمن الداخلية صراعها في السنوات الأخيرة ضد شبكات المهربين الذين يعملون بالأساس على الحدود الغربية لإيران. وقد سجلت قوى الأمن في العام الماضي بعض النجاحات في إلقاء القبض على بعض شبكات المهربين، وصادرت كميات كبيرة من المشروبات الروحية، ولكن وفقا للتقديرات فإن الحديث يجري عمّا لا يزيد عن ربع البضائع المهرّبة. وبالمقابل لنشاطها في المناطق الحدودية، تشنّ قوى الأمن غارات بين الفينة والأخرى على منازل خاصة تُستخدم لإقامة حفلات يتم فيها استهلاك الخمر أو إنتاجه المنزلي. أحيانًا، ينجح المواطنون الذين تم مداهمة بيوتهم في التملّص من العقوبة من خلال الرشاوى التي تدفع لرجال الشرطة.

تعبّر ظاهرة ازدياد استهلاك الكحول عن تصاعد الظواهر الاجتماعية السلبية في إيران، وفي مقدمتها: الإدمان على المخدرات والتورط المتزايد في الجرائم. إنّ ازدياد هذه الظواهر، وبشكل أساسي في أوساط الشباب، ينبع عن ضائقتهم الاقتصادية تارة وعن ابتعادهم عن القيم الإسلامية تارة أخرى، وعن نمط الحياة التقليدي. ويضع تزايد الظاهرة تحديّا مزدوجًا أمام السلطات الإيرانية: اجتماعي وقيمي – إسلامي، وتُشير إقامة مراكز الفطام للمرة الأولى إلى استعداد السلطات للاعتراف بالظاهرة. هذا الاعتراف قد يضع في الواقع، أسس صياغة استراتيجية أكثر فاعلية من أجل مواجهة الظاهرة، ولكن الرد على الأزمة المتصاعدة يكمن أولا في حل المشكلات الجذرية القائمة في أساسها.