تقارير عن وفاته الوشيكة، ويردّ علي خامنئي بظهوره على العلن. ولكن حالته الصحية الصعبة ودخول المرشد الأعلى لإيران إلى المستشفى من جديد، والذي يعاني كما يبدو من سرطان البروستاتا في الدرجة 4، حرّكت بشكل مكثّف السباق لانتخاب خليفة له.

الدستور الإيراني واضح تماما في هذا الموضوع وبحسبه فإنّ مجلس خبراء القيادة، وهو هيئة منتخبة من 86 عضوا، هو الذي يقرّر من سيكون المرشد القادم للجمهورية الإسلامية. والمجلس مسؤول أيضًا عن الإعلان عن "عجز" أو إقالة المرشد الأعلى الذي لا يستطيع القيام بواجباته. وفي الحالة التي يكون فيها حاجة لتعيين وريث، فسيقوم المجلس ورئيسه بدور المرشد الأعلى حتى انتخاب خلف له. لم يتم وضع هذا الإجراء الرسمي أبدا قيد الفحص، حيث إنّ خامنئي، الذي يحكم منذ 25 عاما في إيران، هو المرشد الأعلى الأول والوحيد الذي تمّ تعيينه بعد وفاة روح الله الخميني، الذي كان هو من عيّن خامنئي كخير خلف له.

ويحدّد الدستور الإيراني أيضًا الصفات والمهارات المطلوبة في القائد: عليه أن يكون فقيها من أعلى درجة، ولكن أيضا مقبولا على الشعب بالإضافة إلى فهمه في السياسة والدبلوماسية. فضّل الخميني، الذي أنشأ طريقة الحكم الفريدة في إيران، والتي بحسبها يترأس الدولة قائد يجمع بين العلم الديني العميق والحكمة السياسية، في البداية، الفقيه علي منتظري كخليفة له، ولكن النقد الثاقب لمنتظري على طريقة تصرف الثورة والدولة الإسلامية أزاحه عن دائرة المقرّبين من الخميني وعن الخلافة السياسية.

ورغم أنّ الدستور يحدّد الإجراء الرسمي، ولكن ستؤثّر على تعيين وريث لخامنئي في حينه بشكل أساسيّ علاقاته السياسية، أكثر من سموّه الديني. وقبل ذلك، تتم دراسة الشخصيات التي من المفترض أن تترشّح لهذا المنصب الرفيع، حيث سيكون قربها أو بعدها عن الحرس الثوري هو أيضًا من العوامل التي ستحدّد النتيجة.

رئيس "المجلس لتحديد مصلحة الحكم" والرئيس السابق، علي أكبر هاشمي رفسنجاني (AFP)

رئيس "المجلس لتحديد مصلحة الحكم" والرئيس السابق، علي أكبر هاشمي رفسنجاني (AFP)

هناك، على الأقل، خمسة مرشّحين بارزين الآن في النقاش الإيراني: الأول هو هاشمي شاهرودي، الذي يتولى منصب رئيس مؤقت لمجلس خبراء القيادة ومن المحتمل انتخابه كرئيس دائم. وُلد شاهرودي في العراق، درس ودرّس في المدينة الشيعية المقدّسة النجف، وبرز في السياسة الإيرانية عندما تم تعيينه رئيسا للقضاء. ويعتبر رجلا وسطيّا؛ محافظًا ولكنه ليس متطرّفا. ويُعتبر شاهرودي أيضًا واحدا من أثرى الأشخاص في إيران. صنع ثروته من خلال استيراد السلع ويوصف نمط حياته بأنّه "بعيد عن التقشّف". تؤهّله دراساته الكثيرة والأصيلة من الناحية الدينية وقربه من الحرس الثوري قد يمنحه الدعم السياسي المطلوب.

ومن المحتمل أن يترشّح معه سواء على منصب رئيس مجلس خبراء القيادة أو منصب المرشد الأعلى، هاشمي رفسنجاني، والذي تولّى سابقًا منصب الرئيس الإيراني ورئيس مجلس خبراء القيادة. وهو يترأس اليوم لجنة دراسة مصالح البلاد، وهي هيئة ذات أهمية وتأثير على عمليات التشريع وتشكيل السياسات. ويُعتبر رفسنجاني، الذي تصل ثروته إلى نحو مليار دولار والذي تولّى كرئيس لفترتين، مائلا للتيّار الإصلاحي. فقد انتقد خامنئي علنا وصرّح مؤخرا بأنّه "من يعارض الاتّفاق النوويّ فإنّ هذا يصبّ في النهاية في صالح نتنياهو". ترشّح رفسنجاني، البالغ من العمر 81 عاما، في الانتخابات الأخيرة للرئاسة ولكن تمّ إلغاء ترشّحه بسبب سنّه. في أعقاب ذلك، شجّع أنصاره على نقل تأييدهم إلى حسن روحاني، الذي تم انتخابه فعلا في نهاية المطاف.

المرشّح المحتمل الآخر هو صادق لاريجاني، الذي يترأس القضاء. ورغم أنّ لاريجاني يُعتبر في مستوى رفيع بين آيات الله، ولكنه يُعتبر فقيها شابا وأقلّ خبرة من رفسنجاني ومن شاهرودي. في المقابل، فهو من عائلة مهمّة لكونه نجل الفقيه المعروف هاشم أمولي. أحد أشقائه هو علي لاريجاني، رئيس البرلمان والذي كان في الماضي قائدا للحرس الثوري. ولديه شقيق آخر، وهو جواد لاريجاني، الذي كان يرأس معهد الدراسات التابع للبرلمان الإيراني، ويتولى منصب المستشار السياسي لخامنئي ولديه ارتباط بالحرس الثوري.

الخميني ينزل من طائرة إير فرانس، وعندما سُئل كيف يشعر مع عودته إلى الوطن، أجاب قائلا: "لا أشعر بشيء" (Wikipedia)

الخميني ينزل من طائرة إير فرانس، وعندما سُئل كيف يشعر مع عودته إلى الوطن، أجاب قائلا: "لا أشعر بشيء" (Wikipedia)

هناك للعلاقات من هذا النوع في الوسط السياسي الإيراني في أحيان كثيرة أهمية أكبر من الدرجات الرسمية أو من السيرة الذاتية المثيرة للإعجاب في مؤسسات الحكم. ويُعتبر صادق لاريجاني، مثل شقيقه، أحد المحافظين المتطرّفين في الحكومة الإيرانية وممّن تمسّك بمواقف خامنئي في كلّ ما يتعلّق بالحفاظ الصارم على كلّ قيم الثورة التقليدية. في هذا المستوى المحافظ، يبدو أنّ الفقيه محمد تقي مصباح اليزدي - والذي يحتمل أن يترشح هو أيضًا لمنصب المرشد الأعلى - هو المؤشّر اليميني، والذي يرهب في كثير من الأحيان ليس فقط الإصلاحيين وإنما أيضًا التيارات المحافظة وسط الخارطة السياسية.

مرشّح آخر وهو مجتبى خامنئي، الابن الثاني لعلي خامنئي، ولكن هناك شكّ إذا كان سيحظى بالتأييد لكونه صغيرا جدّا (45 عامًا) وبسبب عدم اكتمال تعليمه الديني. ورغم أنّ خامنئي الابن يدرّسُ أصول الدين، إلا أنّ قوته تحديدا هي في العلاقات الوثيقة التي تربطه بالحرس الثوري، وبسيطرته على قوات الباسيج (قوات المتطوّعين في الحرس الثوري) وبشكل أساسي في حقيقة أنّه هو صانع القرار في مكتب والده. يُعرف مجتبى في الكثير من الدوائر باعتباره "رئيس المافيا" والمرتبط بالكثير من الصفقات الاقتصادية التي يقوم بها الحرس الثوري. وفقا لبعض التقارير في إيران، فقد ترأس حملة أدّت إلى انتخاب محمود أحمدي نجاد عام 2009. وقبيل نهاية ولايته، اتُّهم أحمدي نجاد بالاختلاس من أموال الدولة.

ستقود مسألة الخلافة إيران إلى واحدة من أكثر المعارك المثيرة التي عرفتها منذ الثورة، حيث ستكون هذه هي المرة الأولى التي لن يتمّ فيها تحديد الخلافة من قبل الأب المؤسس الذي لا يمكن الاعتراض على قراره. ومن ثم فسيكون السؤال على جدول الأعمال هو: هل ستبحث النخب الدينية، السياسية والعسكرية عن مرشد يكون من السهل عليها العمل معه، فتعزّز بذلك تأثيرها، أم سيكون مرشدا يستند إلى تيّار مركزي واحد يمكنه تحقيق التوازن - والتحييد إذا لزم الأمر - بين القوى السياسية الأخرى. سيكون لهذا الصراع أيضا بطبيعة الحال آثار على تقدّم الاتّفاق النوويّ، على الصيغة التي سيتم قبولها بل وعلى مسألة التوقيع عليه. على أية حال، فقد دخل إلى الجدول الزمني المقرّر بين إيران والقوى العظمى العالمية الستّ عامل جديد ومهمّ الآن وهو: متوسط العمر المتوقع لخامنئي ورغبته - أو عدم رغبته - في جعل الاتفاق جزءًا من إرثه.

نشر هذا المقال للمرة الأولى في‏‎ موقع ‎‏صحيفة ‏‏‎"‎‏هآرتس‏‏‎‏‏‏‏‎"‎‏‏.