يبدو أنّ إيران نجحت في تمييز الفراغ الذي نتج في الشرق الأوسط مع ابتعاد الأمريكيين، وهي تسعى إلى الدخول ولعب دور "الوسيط". طريقة عملهم الرئيسيّة هي حلّ النزاعات المذهبية، لا سيّما بين الشيعة والعلويين من جهة والسّنّة من جهة أخرى، وفق المحلّل المختصّ في شؤون الشرق الأوسط، إيهود يعاري.

بعد عامَين قاسيَين جدًّا في لبنان، بينها فترة طويلة كانت فيها حكومة تصريف أعمال، ولم تنجح الطوائف والمذاهب المختلفة في بلاد الأرز في التوصّل إلى اتّفاق فيهما، نجح الإيرانيون تحديدًا في إنجاز اتّفاق، عبر تنازلات فرضوها كما يبدو على حسن نصر الله وحزبه.

وما لا يقلّ إدهاشًا في هذا الاتّفاق هو أنّ الإيرانيين نجحوا في الحصول على مُبارَكة السعوديين للاتّفاق، فيما الولايات المتحدة خارج اللعبة، تراقب كيف يعزِّز الإيرانيون قوّتهم الإقليميّة. وهم لا يعتزمون التوقّف قريبًا. فيبدو أنّ المحطّات المختلفة التي ستحاول إيران العمل فيها تشمل سوريا، العراق، وحتّى البحرين، وفيها أيضًا سيسعَون إلى التوصّل إلى تهدئة، وربّما اتّفاقات وحلول أيضًا.

أمس الأربعاء، التقى في سوريا وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف والرئيس بشّار الأسد، والتقُطت صورتهما يتصافحان مصافحة حارّة. إنّ تدخّل الإيرانيين في ما يجري في سوريا معروف منذ سنوات، لكن ربّما يحاولون هذه المرّة استثمار علاقاتهم ونفوذهم لدى بشّار الأسد من أجل التوصّل إلى تسوية، وإن وقتيّة، وتسجيل إنجاز مذهل آخر لحسابهم، إذ يُثبتون للغرب أنّ "هجوم الابتسامات" لم يكن تظاهرًا كاذبًا، وأنّ إيران غيّرت وجهها فعلًا وحوّلته نحو السلام.

لكنّ التوتّر بين إيران والقوى العظمى، والولايات المتحدة على وجه الخُصوص، يستمرّ كلّ الوقت على خيطٍ رفيع. فقد قال وزير الخارجية الإيراني ظريف هذا الصباح إن بلاده تريد المشاركة في مؤتمر دولي للسلام في سوريا الأسبوع المقبل، لكنها لن تحضر إذا وُضعت شروط لمشاركتها. وتقول الولايات المتحدة إنّ مبعوثي إيران يمكنهم حضور المؤتمر المقرر في مونترو بسويسرا إذا كانوا مستعدين لقبول اتفاق تم التوصل إليه في مؤتمر سلام عقد في جنيف في حزيران ‏2012‏، يدعو لتشكيل حكومة انتقالية في دمشق "بالاتفاق المتبادل".

وترى واشنطن أن هذه الصياغة تعني رحيل الرئيس السوري بشار الأسد عن السلطة، لكن روسيا وإيران ترفضان هذا التفسير. وقال ظريف في مؤتمر صحفي بعد محادثات مع نظيره الروسي سيرجي لافروف: "إذا دُعيت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مثل كل المشاركين الآخرين في المؤتمر فإنها ستشارك في هذا الحدث،" وأضاف: "لا نقبل أي شروط مسبقة لمشاركة بلادنا."

على أيّة حال، من الجليّ أنّ الإيرانيين ليسوا وحدهم، على الأقل فيما يجري في سوريا. فأمس قال نائب وزير الخارجية السوري، د. فيصل المقداد، في مُقابلة مع بي بي سي إنّ ممثلين لوكالات استخبارات أجنبيّة زاروا دمشق مؤخرًا، للنقاش في سُبل محاربة التنظيمات الإسلاميّة المتطرّفة الناشطة في البلاد. وحسب تعبيره، ثمّة انقسام في الغرب بين رجال الأمن والسياسيين الذين يواصلون الضغط لإسقاط الرئيس بشار الأسد. "فهمت الحكومات الغربية أخيرًا ألّا بديلَ للأسد"، قال المقداد. وردًّا عَلى السؤال إن كان مندوبون بريطانيون وأمريكيون قد زاروا دمشق مؤخرًا، قال: "لن أفصّل، لكنّ كثيرين منهم جاؤوا إلى دمشق".