أدّى انتخاب حسن روحاني رئيسًا لإيران، والاتّفاق التاريخي الذي جرى إحرازه في جنيف في 24 تشرين الثاني، بكثيرين إلى الاعتقاد أنّ إيران متّجهة إلى حقبة جديدة في علاقاتها مع الغرب. لدى انتخابه، تحدّث روحاني عن الحاجة إلى التعاوُن مع دول العالم، ودعا إلى المساواة بين جميع مواطني إيران. لكنّ تصريحات عديدة أطلقها مذّاك مسؤولون إيرانيون تضع علامات استفهام حيال النوايا الحقيقية للجمهورية الإسلامية.

حتّى قبل التوصّل إلى اتّفاق، وفيما كانت إيران والقوى العظمى تناقش التفاصيل في جنيف، أوضح الزعيم الديني الأعلى لإيران، علي خامنئي، أنّ أيّ تغيير لم يحدث في الموقف الإيراني من إسرائيل. ففي خطاب في طهران أمام رجال الحرس الثوري، كنّى خامنئي إسرائيل "كلبًا مجنونًا"، مصرّحًا أنّ إسرائيل "حُكِمَ عليها أن تختفي من الوجود". بعد ذلك بأربعة أيام، جرى التوقيع على الاتّفاق الذي يُتيح لإيران الحفاظ على منشآتها النووية.

مَن توقّع أن يؤجّل الإيرانيون، أو على الأقلّ يقلّلوا، استخدامهم لمنشآتهم النووية، خاب أمله. فقد صرّح وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، أمام مجلس الشورى الإيراني إنه رغم أنّ الاتّفاق ينصّ صراحةً على أنّ إيران "لن تشغّل المُفاعِل في أراك"، فإنّ بناء المُفاعِل نفسه لن يتوقّف.

كما كرّر ظريف هذا الأسبوع موقف إيران موضحًا: "لا نرى أيّ سبب للتنازُل، بعد أن استثمرنا كلّ هذا الوقت والجهود، ودفعنا الغرب إلى التخلي عن وهم (صفر تخصيب في إيران)". وبالنسبة للمنشأة في أراك، قال ظريف: "لا يمكننا إعادة عقارب الساعة عشرين سنة إلى الوراء والقول ببساطة إننا سنتخلّص من المشروع، الذي استُثمرت فيه موارد بشرية ومادية هائلة"، ذاكرًا أنّ ثمة طرقًا متنوّعة لضمان استخدام المُفاعِل لأهداف سلميّة حصرًا.

بالتباين، لم تتردّد إيران في توجيه إصبع الاتّهام نحو إسرائيل، بخصوص تطوير أسلحة دمار شامل: "لإسرائيل تاريخ طويل من العدوانيّة ضدّ جيرانها، ارتكاب المجازر ضدّ شعب مُحتلّ، والتطوير السري لأسلحة دمار شامل على أنواعها"، صرّح سفير إيران في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رضا النجفي.

وكُشف هذا الأسبوع عن جانب آخر في نظرة إيران إلى إسرائيل، لا يقتصر على التصريحات العدائية. فقد اقتبست صحيفة "السياسة" الكويتية، المعارضة لنظام دمشق، عن مصدر مسؤول في العراق، يدّعي أنّ إيران وسوريا وقّعتا على اتّفاق مع الحكومة العراقية حول مسار تزويد حزب الله اللبناني بالسلاح. في أعقاب الحرب الأهلية السورية، جرى تغيير مسار نقل السلاح بين إيران وحزب الله، والآن تستخدم إيران بشكل مكثّف المطارات العراقية.

بالمقابل، لا تخفي إيران نفسها قدراتها العسكرية. فقد نشرت وكالة الأنباء الإيرانية "مهر" يوم السبت الماضي تقريرًا موّسعًا يفصّل القدرات الباليستيّة لإيران، نوع الصواريخ التي تملكها، ومدى بلوغها. فبعد أسابيع معدودة من توقيع الاتّفاق النووي بين إيران والقوى العظمى، يختار الإيرانيون أن يبرزوا قدراتهم الهجوميّة تحديدًا.

وكانت الخطوة الأخرى في عرض العضلات الإيراني حين صرّح قائد سلاح الجو الإيراني أنّ طيّاريه سيُجرون تدريبًا عسكريًّا موسَّعًا فوق مضيق هُرمُز، الممرّ المائيّ الذي يمرّ فيه خُمس تزويد النفط في العالَم. وفي حديثه للتلفزيون الحكومي في طهران، روى أنّ التدريب الذي يستمرّ يومَين سيبدأ يوم الجمعة 20 كانون الأول، ويهدف إلى إظهار الاستعداد العسكري للجمهورية الإسلامية.

لكن هل غيّرت إيران نهجها الداخلي، رغم أنّ سياستها الخارجية بقيت كما هي؟ هنا أيضًا، يُتوقَّع أن يخيب أمل الذين علّقوا على روحاني آمالًا كبيرة. فوفق بيانات مركز توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، أُعدِم في إيران منذ بداية العام نحو 600 شخص. نصف هؤلاء تقريبًا أُعدموا منذ انتخاب حسن روحاني رئيسًا. ويقدّر ناشطو حقوق إنسان أنّ عددًا كبيرًا من المحاكمات يجري اليوم خفيةً دون تمثيل قانونيّ لائق، ويمكن أن تنتهي هذه المحاكمات أيضًا بأحكام بالإعدام.‎ ‎