كان الردّ الإيراني ساخطًا على إعلان الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، إلغاء دعوة إيران إلى مؤتمر جنيف 2. وجاء إعلان الأمين العام للأمم المتحدة بعد أن هدّدت المعارضة الوطنية السورية بإلغاء مشاركتها في المؤتمَر إن دُعيت إيران. قبل ذلك، كان السفير الإيرانيّ في الأمم المتحدة، محمد خزاعي، قد أعلن أنّ بلاده لن تُشارِك في المؤتمر إن طُلب منها قبول خطة مؤتمَر جنيف الأوّل (عام 2012) التي تقضي بتأليف حكومة انتقاليّة في سوريا.

إثر إعلان بان، قال وزير الخارجية الإيراني، محمّد جواد ظريف، إنّ قرار الأمين العام للأمم المتحدة بإلغاء دعوة إيران إلى المؤتمر "غير لائق"، مدّعيًا أنه اتُّخذ تحت الضغط. وشدّد على أنّ بلاده لم تُعرب من البداية عن اهتمامها بالمشارَكة في المؤتمر، لكن لو كانت الدعوة جدية، كانت ستشارك على مستوى نائب وزير الخارجية. وأعاد ظريف التشديد على أنّ إيران لن توافق على شروط مسبقة لمشاركتها في المؤتمَر.

في المنظومة السياسية الإيرانية أيضًا، جرى توجيه انتقادات حادّة لإلغاء الدعوة. فقد اتّهم رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني، علاء الدين بروجردي، الأمين العام للأمم المتحدة بأنه اتخذ قراره تحت ضغطٍ أمريكي، قائلًا إنّ إلغاء دعوة إيران يمسّ بهيبة الأمم المتحدة. وقدّر أنّ المحادثات في جنيف لن تتمخّض عن نتائج إيجابيّة في ظلّ غياب إيران.

أمّا عضو مجلس الشورى، محمد دهقان، فقد ذكر أنه برفض إيران المشاركة في المؤتمر بناءً على مقرّرات جنيف 1، أحبطت نوايا الولايات المتحدة وإسرائيل بفرض موقفَيهما عليها حول الإطاحة بالرئيس بشار الأسد. وادّعى أنّ المشاركة الإيرانية في المؤتمر مع رفض خطّة جنيف 1 كانت ستؤدّي إلى تفاقُم النزاع بينها وبين الدول المشارِكة في المؤتمر، فيما كان الاعتراف الإيراني بتلك الخطّة سيمسّ بـ"محور المقاومة" في الإقليم.

بشكلٍ مماثل، كان ردّ الإعلام الإيراني على إلغاء الدعوة غاضبًا أيضًا، إذ اتّهم الأمينَ العام للأمم المتحدة بالخنوع للضغوط الأمريكيّة والسعوديّة. وقدّرت وسائل الإعلام في إيران أنه دون المشاركة الإيرانيّة في المؤتمر، فإنّ احتمالات التوصُّل إلى اتّفاق سياسيّ في سوريا ضئيلة. وادّعت الصحيفة اليوميّة المحافظة "جمهوري إسلامي" في مقالٍ تحليليّ نُشر هذا الصباح (22 كانون الثاني) أنّ إلغاء دعوة إيران يُثبت مجدّدًا أنّ الدول الغربية والإقليميّة ليست جاهزة بَعد لحلّ الأزمة السورية، ولا تُقيم أيّ وزن لحياة المواطنين السوريين الذين يُقتَلون يوميًّا.

يعرف السياسيون الأمريكيون جيّدًا أنّ الولايات المتحدة والدول العربية التي تدور في فلكِها هي التي تتحمّل مسؤولية الإبادة الجماعيّة التي تُنفَّذ في سوريا، وأنّ هذه الدول مستعدّة للتضحية بجميع سكّان سوريّا لتحقيق مآربها. وادّعت الصحيفة أنّ الولايات المتحدة أثبت بفرض موقفها على الأمين العام للأمم المتحدة أنها تستحقّ لقب "الشيطان الأكبر"، فيما برهن الأمين العام للأمم المتحدة أنّ منظمته تعمل وفق أهواء واشنطن، وقد أضحت منظمة تنصاع لإرشادات "البيت الأبيض".

بان كي مون والولايات المتحدة

بان كي مون والولايات المتحدة

ورغم أنّ دعوة إيران إلى مؤتمر جنيف 2 أُلغيت في نهاية المطاف بضغطٍ من المعارضة السورية، فإنّ مجرد الدعوة الأوليّة لإيران جرى النظر إليه في طهران على أنه اعتراف بأنّ إيران أمست لاعبًا مركزيًّا ذا تأثير كبير في سوريا، وأنّ احتمالات تسوية الأزمة السياسية السورية دونها ضئيلة.

في هذه الأثناء، تتزايد الخشية في إيران من ازدياد نشاط عناصر سلفيّة متطرّفة في سوريا ولبنان. ويُعتبَر التفجير الانتحاريّ الذي نُفّذ في تشرين الثاني الماضي على مدخل السفارة الإيرانية في بيروت، إلى جانب موجة التفجيرات التي ضربت مؤخرا العاصمة اللبنانية محاولةً من جانب تنظيمات الجهاد العالميّ المحسوبة على القاعدة لحَرف مسار الضغط الذي تمارسه سوريّا، إيران، وحزب الله على معاقل المتمردين في سوريا عبر المسّ بأهداف مرتبطة بإيران وحزب الله.

لا يغيب نشاط هذه العناصر الإسلامية المتطرفة عن ناظرَي مسؤولي النظام في طهران. ففي خطابٍ ألقاه هذا الأسبوع المرشد الأعلى للثورة في إيران ضمن مؤتمر الوحدة الإسلاميّة في طهران، حذّر علي خامنئي من الخطر الأكبر المتمثّل باستمرار نشاط "المجموعات التكفيريّة". وفي إشارة مبطّنة إلى المملكة العربية السعودية، قال خامنئي إنّ الدول الإسلاميّة التي تدعم تلك المجموعات لا تدرك أنها تُشعل نارًا يمكن أن تحرقها في نهاية المطاف. وقد دعا السنّة والشيعة إلى التلاحُم للنضال المشترَك ضدّ المجموعات التكفيريّة التي تركّز انتباهها، على حد قوله، على إشعال النزاعات الداخليّة بين المسلمين بدلًا من التركيز على "النظام الصهيوني".

يمكن أن تعزّز خشية إيران من النشاط المتزايِد للمجموعات السلفيّة في سوريا ولُبنان، بالتوازي مع اعتراف الدول الغربية بأهميتها من أجل حلّ الأزمة في سوريا، الالتزام الإيراني باستمرار التحالُف الاستراتيجي مع نظام الأسد. وذلك رغم الثمن المتّصل باستمرار تدخُّلها في سوريا في مجال قدرتها على تحسين علاقاتها بجاراتها في الخليج، وعلى رأسهنّ المملكة العربية السعودية. صحيحٌ أنّ دعوة إيران إلى مؤتمَر جنيف 2 قد أُلغيت، لكنّ تأثيرها في المسألة السورية يُتوقَّع أن يستمرّ في أيّ سيناريو مُستقبليّ.