اليوم الأحد، 15 أيار، يُحيي الفلسطينيون ذكرى يوم النكبة ال67 ، والتي تُمثّل مأساة الفلسطينيين الذين فقدوا أراضيهم في فترة حرب العام 1948 بين إسرائيل والدول العربية، وأصبحوا لاجئين في الدول العربيّة. يُحيي الفلسطينيون داخل إسرائيل، في الضفة الغربية وغزة هذا اليوم بالمسيرات والمظاهرات. لا تزال إسرائيل، التي تأسست عام 1948، تجد صعوبة في الاعتراف بالنكبة والحديث عنها بانفتاح، لماذا؟ وأين يوجد في إسرائيل، فعلا، خطاب يعترف بالنكبة؟

من المتفق عليه إسرائيليا أن إسرائيل الرسمية تجد صعوبة في الاعتراف بالنكبة الفلسطينية لاعتبارين رئيسيين: الأول يتعلق بالرواية الفلسطينية حول النكبة والتي لا تُعتبر متوازنة في نظر إسرائيل. تتحدث هذه الرواية عن نزع ملكية الأراضي، الطرد والتدمير، وإسرائيل تجادل في ذلك. في الواقع، لا تقبل إسرائيل أن تقرّ بشكل واضح وجليّ بأنّ العرب قد طُردوا أو سُلبت منهم أراضيهم. إذ يظهر في صفحات تاريخها أنّ جزءًا من الأراضي تم شراؤه من قبل اليهود بموافقة مالكيها العرب، بالإضافة إلى أنّ جزءًا كبيرًا من العرب قد اختار الهرب في فترة حرب عام 1948، سواء من الخوف على مصيرهم أو بسبب دعوات الدول العربيّة التي طلبت منهم ذلك.

وبالنسبة لها فالصراع على الأراضي بين اليهود والعرب لم يبدأ عام 1948. فهو يعود إلى ما لا يقلّ عن 100 عام قبل ذلك، عندما بدأ اليهود من أوروبا بالهجرة إلى فلسطين وأسسوا مستعمراتهم في أجزاء البلاد وبشكل خاص بواسطة شراء الأراضي.

من الجدير بالذكر أن العديد من الباحثين الإسرائيليين، وتحديدا المؤرخين، قد كتبوا فعلا عن طرد العرب من قراهم في أماكن عديدة، والنقاش الأكاديمي حول السؤال "هل هربوا أم طُردوا؟" مستمرّ ليكون مادة للوظائف والكتب التي تُكتب في الأكاديميا الإسرائيلية. بل وصف مؤرخون إسرائيليون "ما بعد المعاصرين" مثل إيلان بابيه ما حلّ بالفلسطينيين بأنه "تطهير عرقي"، ولكن هؤلاء المؤرخين خارج الإجماع الإسرائيلي ويُعتبرون منبوذين في إسرائيل.

الموضوع الآخر المتعلّق بالرواية الفلسطينية والذي تُضعفه إسرائيل هو مسؤولية العرب التاريخية عن مصيرهم. ففي حين أن المؤرخ السوري قسطنطين زريق قد صاغ اسم "النكبة"، وألمح بذلك بأنّها كارثة سقطت على العرب المولودين في فلسطين مثل البرق في يوم صاف، تطرح إسرائيل، مرارا وتكرارا، سلسلة الأحداث التي تسبّبت بالنكبة ومسؤولية العرب عن مصيرهم. وتتعلق تلك المسؤولية بالاختيار التاريخي للقادة العرب في رفض خطة التقسيم التي طرحتها الأمم المتحدة، واختيار الحرب ضدّ اليهود في إسرائيل.

إحياء ذكرى النكبة ال67 في رام الله 2015 (AFP)

إحياء ذكرى النكبة ال67 في رام الله 2015 (AFP)

بالنسبة للعديد من المفكرين الإسرائيليين فإنّ المعاناة الفلسطينية التي ولّدتها الحرب التي كانت حربا اختيارية من قبل العرب، هي معاناة يجب الاعتراف بها واحترامها، كما عبّر عن ذلك المؤرخ المعروف في إسرائيل، شلومو أفنيري، ولكن الأمر لا يُلغي الحساب النفسي العربي حول مصير الفلسطينيين.

بالإضافة إلى ذلك، يطالب العديد من المفكرين في إسرائيل بالاعتراف بالمعاناة الفلسطينية، بشكل خاصّ، بين الأقلية العربية في إسرائيل، بل وإحيائها.

وهناك صعوبة أخرى تظهر من قبل إسرائيل في الاعتراف بالنكبة الفلسطينية، وهي استمرار الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني وعدم قدرة الطرفين على التوصل إلى تسوية تاريخية. إنّ استمرار الصراع يجعل إسرائيل تواصل التمسّك بخطّ دفاعي ومنغلق بخصوص النكبة الفلسطينية. أحد المواضيع البارزة التي تشرح هذه النقطة هو اللاجئون الفلسطينيون، وهم يشكلون نقطة رئيسية في قصة النكبة، وبالنسبة لإسرائيل فهي موضوع حساس بالنسبة ليهودية دولة إسرائيل.

تخشى إسرائيل بأنّها لو اعترفت بالنكبة فسيُعتبر الأمر تنازلا من جهتها في موضوع اللاجئين. حتى اليوم لم يكن هناك زعيم إسرائيلي قد وافق على الحديث عن عودة اللاجئين الفلسطينيين من الدول العربيّة إلى إسرائيل، وبالتأكيد ليس بالأرقام التي يتحدث عنها الفلسطينيون.

وطبعًا، الموقف الإسرائيلي من النكبة ليس "ثابتا"، ففي السنوات الأخيرة ازدادت قوة سياسة اليمين التي تُحاول حظر إحياء النكبة وخصوصا في يوم استقلال إسرائيل. وقد أوضح بعض الوزراء في إسرائيل قائلين "إنّ يوم استقلال إسرائيل لا يمكن أن يكون كارثة". بالإضافة إلى ذلك، حاول برلمانيون إسرائيليون يمينيون تقييد إحياء ذكرى "يوم النكبة" في إسرائيل زاعمين بأنّه يقوّض وجود دولة إسرائيل.

ورغم هذه التوجهات من قبل اليمين، فالتطبيق الشهير، iNakba، الذي يهدف إلى تذكر القرى الفلسطينية المهدّمة، تم تطويره من قبل جمعية إسرائيلية تُدعى "ذاكرات". تعرّف الجمعية نفسها على أنها جمعية تُعزّز مسؤولية الشعب اليهودي في إسرائيل عن النكبة الفلسطينية، وتدعم تنفيذ حقّ العودة للاجئين الفلسطينيين.

وهكذا يمكننا أن نخلّص بأنّه في حين أنّ إسرائيل الرسمية لا تأبه بالخطاب حول النكبة، ولا تعترف بجوانب معيّنة تتكوّن منها رواية النكبة الفلسطينية، فعلى المستوى المدني الأمر ممكن فعلا، إذ لا تتوقف المطالبات من قبل باحثين ومفكرين إسرائيليين للاعتراف بالنكبة. والسؤال المثير للاهتمام هو هل يستطيع العرب أيضًا تحمُّل مسؤوليّتهم عن المعاناة الفلسطينية فيما إذا تحمّلت إسرائيل مسؤوليّتها؟