يسأل الإسرائيليون أنفسهم في يوم استقلال الدولة: ماذا أنجزنا في السنة الأخيرة؟ وإلى أي اتجاه تذهب الدولة؟ وثمة من يقول إن الاتجاه العام للدولة أسود، جازمين أن الدولة تتجه نحو مستقبل يهيمن به الخطاب العنيف والعنصري، وأن خطاب السلام والتعايش أصبح هامشيا. ويشير من يرى الأمور على هذا النحو إلى التعليقات التي تكتب على مواقع التواصل الاجتماعي الإسرائيلية، وإلى أحداث سجلت في إسرائيل خلال العام الأخير تثبت أن المجتمع الإسرائيلي ينزلق في منحدر خطير.

وجاءت أمس أقوال رئيس الكنيست، يولي أدلتشين، خلال خطابه في الحفل المركزي لانطلاق احتفالات الاستقلال، في القدس، مذكرة بما كان في العام المنصرم في إسرائيل، حيث قال "شاهدنا أن الخطاب العام اتجه نحو التطرف.. لقد لبس كثيرون قناعا افتراضيا وباسم حرية التعبير هاجموا وجرحوا غيرهم، دون خجل. ولم يسلم أحد من هذا، لا رئيس الدولة ولا رئيس الحكومة، ولا عضو كنيست، ولا وزير".

جانب من مظاهرة منظمة "لهفاه" العنصرية في القدس (Flash90)

جانب من مظاهرة منظمة "لهفاه" العنصرية في القدس (Flash90)

وعلى نقيض هذه الرؤية القاتمة، هنالك من يعتبر ناشري خطاب العنصرية والعنف أقلية، وأن الأغلبية في إسرائيل ترفض هذا الخطاب وتتحلى بخطاب قوامه التعايش واحترام الآخر. على أي حال، إن كانت الحقيقة حليفة الفريق الأول أو الثاني، لا يمكن تجاهل الأحداث التي جرت في العام الأخير وتم تداولها في وسائل الإعلام على نحو كبير، التي تؤكد وجود نزعة عنصرية وعنيفة في المجتمع الإسرائيلي.

حادثة نائب رئيس الأركان

أثار نائب رئيس الأركان، يائير جولان، المسؤول العسكري الأرقى بعد رئيس الأركان، ضجة كبيرة في إسرائيل، في أعقاب تصريحات انتقد فيها المجتمع الإسرائيلي على نحو اضطر رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى التطرق إليها ووصفها بأنها باطلة ومخجلة. وكان الجنرال جولان قد خرج عن المألوف، خلال خطاب عشية يوم ذكرى ضحايا الهولوكوست في إسرائيل، موجها انتقادا لاذعا ضد المتجمع الإسرائيلي، مقارنا بين الجو العام الذي ساد في أوروبا في السنوات التي سبقت الهولوكوست، على ما ساد به من عنصرية وكراهية للغريب، والجو السائد في إسرائيل في السنة الأخيرة.

ورغم أن جولان تراجع عن أقواله هذه، وقال إنه لم يقصد مقارنة إسرائيل عام 2016 بالحكم النازي إبان الحرب العالمية الثانية، إلا أن حديثه خرج إلى الحيز العام، وأثار جدلا كبيرا في إسرائيل، بين مؤيدين ومعارضين. وكتب إعلاميون ومفكرون يساريون في إسرائيل أن جولان يدق ناقوس الخطر، ويجب على قادة الدولة أن يعوا لهذه التحولات الباطنية التي يمر بها المجتمع الإسرائيلي.

نائب رئيس الأركان، الجنرال يائير غولان (Gefen Reznik IDF)

نائب رئيس الأركان، الجنرال يائير غولان (Gefen Reznik IDF)

وابل من التعليقات العنصرية على فيسبوك

إحدى المؤشرات القوية التي تدل على تصاعد الخطاب العنصري في إسرائيل هو ما يجري في مواقع التواصل الاجتماعي. فقد أصحب هذا الحيز الافتراضي منبرا لأصوات عنصرية عديدة، لم يتعود الإسرائيليون على وجودها. وبدا هذا واضحا في حادثة أخيرة على موقع Ynet"" الإسرائيلي. فقد نشر الموقع قصة ولادة "ثلاثة توائم" لزوجين من عرب إسرائيل، وجرّت هذه القصة إلى جانب تهانٍ كثيرة، وتبريكات على ولادة الثلاثة في صحة جيدة، تعليقات مليئة بالكراهية والعنصرية، فقد عبّر قسم من المعلقين عن استيائهم لولادة "المزيد من العرب في الدولة اليهودية"، وهنالك من كتب أن المواليد الجديدة سيكبرون ليصبحوا "إرهابيون" ومن هذا القبيل.

مطرب الراب الملقب "الظل"، كان مسؤولا مباشرا عن نشر خطاب التحريض (فيسبوك)

مطرب الراب الملقب "الظل"، كان مسؤولا مباشرا عن نشر خطاب التحريض (فيسبوك)

وبزر في خضم هذه العنصرية على فيسبوك مطرب إسرائيلي مشهور في أسلوب الراب، يلقب نفسه "الظل"، كان مسؤولا رئيسيا عن نشر الخطاب التحريضي المعادي للعرب. وفي آخر مساهمة له في هذا المجال المقيت، روّج لمظاهرة دعم للجندي الذي يخضع للمحاكمة في قضية قتل فلسطيني منفذ عملية طعن، كان مصابا ومطروحا على الأرض.

ويجدر الذكر أن التعليقات العنيفة على فيسبوك، ليست حكرا على منتسبي اليمين السياسي، بل كان هنالك تطاول عنيف أيضا من الشق اليساري للخارطة السياسية الإسرائيلية. ففي حادثة أخرى، شغلت الإعلام الإسرائيلي، كتب الإعلامي اليساري، يغآل سرانا، منشورا محرضا ضد رئيس الحكومة وقرينته، مرة لمّح أنه المسؤول عن مقتل رئيس الحكومة في السابق، يتسحاق رابين، ومرة قارنه مع هتلر.

عنصرية في السياسة

ثمة من يربط بين بروز الوجه القبيح لإسرائيل في السنوات الأخيرة، وصعود قوى اليمين المتشدد على حساب المركز واليسار السياسي. فلو ألقينا نظرة لتشكيلة الحكومة الإسرائيلية، بقيادة بنيامين نتنياهو، التي يهيمن عليها حزبا "الليكود" و "البيت اليهودي"، لرأينا سياسيين كثيرين ينتمون إلى الفكر اليمني المتشدد.

ويقول هؤلاء إن تشكيلة الحكومة الإسرائيلية تجسّد التحول الذي مر به المجتمع الإسرائيلي، ولا سيما في السنة الأخيرة، من ناحية ميوله إلى التشدد والعنصرية.

عضو الكنيست بتسلئل سموتريش من حزب "البيت اليهودي" (Flash90/Miriam Alster)

عضو الكنيست بتسلئل سموتريش من حزب "البيت اليهودي" (Flash90/Miriam Alster)

وفي هذا السياق، برزت التصريحات العنصرية التي أطلقها النائب عن حزب البيت اليهودي، بتسلئيل سموترتش، والذي كتب منشورا على صفحة "فيسبوك" دعا فيه إلى الفصل بين الوالدات العربيات والوالدات اليهوديات في المستشفيات. وقد أثارت هذه التصريحات ضجة كبيرة في إسرائيل، إذ لاقت رفضا واسعا من اليسار واليمين. لكن إقبال سموترتش على نشر هذا البوست يدل على أن الخطاب العنصري لم يعد هامشيا، إنما أصبح له ممثلون في الكنيست.

وفي حين يبدو أن الخطاب العنصري والمحرض يتنامى في إسرائيل، هنالك من يقول إن الظاهرة ليست ضخمة كما يصفها البعض، إنما هي هامشية، وأن معظم المجتمع الإسرائيلي يرفض العنصرية والتحريض، ويفضل الخطاب المتزن.