"يجب علينا أن ندعم طموح الأكراد للاستقلال، إنهم يستحقون ذلك"، قال رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، عندما خطب أمس في معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب. يمكن أن يكون إبداء هذا الرأي المصر مفاجئًا، لكنه يشكل ارتفاعًا آخر في مستوى العلاقات بين إسرائيل فيما يخص الاستقلال الكردي.

يبدو أن إسرائيل، التي كانت منذ مدة قريبة تخفي علاقاتها مع الحكم الذاتي الكردي، ولم تصادق عليها فعليًّا، لا تخاف الآن من أن يعرف العالم ذلك. لقد جاء تصريح نتنياهو بعد عدة أيام من قول وزير الخارجية، أفيغدور ليبرمان، ورئيس الدولة شمعون بيريس، كلامًا مماثلا في المحادثات السرية مع جون كيري.

يشير المسؤولون الإسرائيليون إلى أن المنطقة الكردية المستقلة في شمال العراق، التي تعمل ضد السلطات الحاكمة في العراق وتحظى بدعم تركيا، هي في الحقيقة دولة مستقلة. وعدا عن ذلك فالدولة ليست قائمة فحسب، بل حسب التقارير من خارج إسرائيل فهي تقيم أيضًا علاقات مع إسرائيل. قبل أسبوع ونصف، ذُكر أن ناقلة نفط كردية رست في إسرائيل وأفرغت حمولتها.

نفط (thingstock)

نفط (thingstock)

لم ترد إسرائيل رسميًّا على التقرير، لكن ليس للاقتباس، قالت بعض الجهات الإسرائيلية إن إسرائيل معنية بتحسين العلاقات مع كردستان، بهدف زيادة عدد الدول في الشرق الأوسط التي لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وكذلك من أجل توسيع مصادر الطاقة الإسرائيلية.

لقد ادعت كردستان أن النفط الذي أرسي في ميناء أشدود الإسرائيلي لم يُبع لإسرائيل وليس معدًّا من أجلها. ولو كان الادعاء صحيحًا، لا يمكن تجاهل حميمية العلاقات بين الدولتين وتشارُك المصالح. إن كان في بال كردستان زيادة اقتصادها واستقراره، فستساعدها التجارة مع دولة قريبة وذات اقتصاد قوي مثل إسرائيل في تحقيق هذا الهدف.

عدا عن المصالح الإسرائيلية المذكورة أعلاه في ترسيخ العلاقات مع كردستان، يؤمنون في إسرائيل أن إقامة الدولة الكردية، على مناطق كبيرة من العراق المتفكك، ستساعد على إعادة الاستقرار للشرق الأوسط، وهذا على ضوء ازدياد قوة داعش واحتلالها الكثيرَ من المناطق.

تنظر إسرائيل إلى الشرق نظرة قلقة، ويمكن القول إن الاستخبارات الإسرائيلية تعد سيناريوهات قاتمة، تسيطر فيها داعش على أجزاء واسعة من الأردن وتطرق أبواب إسرائيل من الحدود الأردنية ومن الحدود السورية. على ضوء هذا الخوف، شدد نتنياهو أمس أن إسرائيل تدعم الجهود الدولية لتقوية الأردن أمام خطر داعش.

رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو خلال خطابه في معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب (Amos Ben Gershom/GPO/FLASH90)

رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو خلال خطابه في معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب (Amos Ben Gershom/GPO/FLASH90)

وعدا عن المصالح السياسية والعلاقات بين القواد، يبدو أنه ليست هناك عداوة بين الشعبين أبدًا. هناك حوار جماهيري مُتقد في كردستان حول السؤال الذي يخص ترسيخ العلاقات مع إسرائيل (لم يتبين بعد أنها قائمة)، ويخاف الكثير أنه لا مانع من ذلك. يشير الكثير من الأكراد إلى أنه على مدى التاريخ، كانت العلاقات بين الأكراد واليهود، جيدة.

وهناك من الجانب الآخر، في إسرائيل جالية كبيرة من الأكراد. وبدأ اليهود، حسب التقديرات، يسكنون في منطقة كردستان قبل 2500 سنة، ومنذ ذلك أقاموا بها حياة اجتماعية لمدة آلاف السنوات. بعد قيام دولة إسرائيل سنة 1948، بدأ كثير من اليهود الأكراد يعانون من التنكيل والقمع الشديد من السلطات العراقية، التي لم تمكّنهم حتى من أن يكونوا على صلة مع أقربائهم في إسرائيل.

في شتاء 1952-1951ـ وافقت حكومة العراق على السماح لليهود بالذهاب لإسرائيل، بشرط أن يتركوا أملاكهم خلفهم. فأعلنت دولة إسرائيل عن حملة "عزرا ونحميا"، وخلال عدة أشهر تم تسفير 120,000 يهودي إسرائيلي بالطائرات، كانت أغلبيتهم الساحقة من الأكراد الذين عاشوا في العراق. لقد تجذر هؤلاء الناس في المجتمع الإسرائيلي، ومع مرور أكثر من 60 عامًا، تعتبر ذريتهم نفسها إسرائيلية. يقدّر اليوم في إسرائيل بأن 130,000 يعرّفون أنفسهم كإسرائيليين- أكراد.

عن طريق المهاجرين الأكراد اليهود، احتك المجتمع الإسرائيلي بالثقافة الكردية وهو يتقبلها بتفهم. لا يعارض الإسرائيليون عامة ترسيخ علاقاتهم مع دول مجاورة، وخاصة عند غياب الكراهية تجاه إسرائيل في هذه الدول. لذلك، سيستقبل الإسرائيليون ترسيخ العلاقات الدبلوماسية مع الأكراد برحابة صدر.