لا يشكّل المستوطِنون في الضفة الغربية مجموعة واحدة. فقسمٌ منهم إسرائيليّون منذ وقت طويل، فيما الآخَرون مهاجِرون جُدد. بعضهم علمانيون، وبعضهم متديّنون. بين المتديّنين، ثمة مَن هم خاضعون لحاخامٍ ما، وثمّة من يخضع لحاخامات آخَرين. بين كلّ هؤلاء، ثمّة مجموعة مكوّنة من مراهقين متمرّدين، لا يسمعون كلمة أحد، لا الحاخامات، لا الجنود، ولا الجيران الفلسطينيين. منذ سنوات، يفعلون كلّ ما يخطر على بالهم. إنهم "شبان الهضاب" لدى المستوطِنين.

متفلّتون من جميع القيود الممكنة

إنهم يعيشون في مجموعات صغيرة، يلبسون بإهمال، ويعيشون في أكواخ بسيطة وآيلة للسقوط. وهم يُطيلون شعورهم ولحاهم غير المرتّبة، ويعتمرون قلنسوات كبيرة على رؤوسهم. بشكل عامّ، يعملون في الأرض والزراعة، يرعون قطعان المواشي، ويتمتّعون بالاغتسال في منابع المياه الصافية في الهضاب المجاورة للخليل ونابلس. وحين يغتسلون في النبع، لا يقترب منهم أحد - لا فلسطيني ولا جنديّ.

غالبًا، يكونون من الشبّان الذين لم ينجحوا في أيّ إطار تربوي، وطُردوا من كلّ مكان، أحيانًا حتّى من بيوتهم. تمسي "الهضبة" المكان الوحيد الذي يمكنهم فيه إيجاد الحرية وتحقيق الذات.

شبّان الهضاب (Omer Messinger/Flash90)

شبّان الهضاب (Omer Messinger/Flash90)

لا يقبل شابّ الهضاب التقليديّ سيادة أحد، يمكن أن تؤدي إلى إخلاء قسمٍ من أرضه. فحين يصل الجيش الإسرائيلي لإخلاء مستوطَنة، يمتلئ شابّ الهضاب سخطًا، ويبدأ بالعمل ضاربًا. إنه غير مستعدّ لقبول أيّ قيد على الاستيطان في جميع أنحاء "أرض إسرائيل"، وكلّ مَن يمسّ بهذه المُسلَّمة سيصاب بالأذى.

وكان "شبّان الهضاب" قد نالوا دفعًا كبيرًا من برنامج الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005، حين أُخلي 8600 مستوطِن من بيوتهم. ففيما استعدّت الحكومة الإسرائيلية لإخلاء المستوطِنين من غزة، أعلن رجال الدين أنه لا سبب للقلق، واستعدّوا للاحتفال لحظة إلغاء "طرد اليهود". كان شعور الصدمة لدى الشبيبة في تلك الفترة هائلًا.

مذّاك، لم يعودوا مستعدّين للإصغاء إلى رجال الدين، وبالطبع ليس للسياسيّين. "أرض إسرائيل" أهمّ بالنسبة لهم من دولة إسرائيل والربانيين معًا. وهم غير مستعدّين لسماع أيّ وعظ.

وماذا عن الربانيين أنفسهم؟ إنهم خائفون من أولئك الشبان المنفلتين. أمّا الجيش الإسرائيلي، الذي يرى فيه الفلسطينيون "جيش الاحتلال"، فيراه أولئك الشبّان "جيش الطرد" الذي يقاتل ضدّ اليهود ولصالح الفلسطينيين.

ما يفعله المستوطِنون الآخرون بالفلسطينيين يفعله "شبّان الهضاب" بباقي المستوطِنين. فقد استولت مزرعة أفري ران، أحد قادة "شبّان الهضاب"، التي أُقيمت قرب مستوطنة "إيتامار"، على أرض تابعة للمستوطَنة نفسِها. "لا يتجرأ أحد على الاقتراب من هنا"، قال ران عن مزرعته في مُقابلة مع القناة الإسرائيلية العاشرة، موضحًا: "الجبان يموت قليلًا كلّ يوم، أمّا البطل فلا يموت سوى مرّة واحدة".

ليسوا مستعدّين للتنازل، وكلّ شيء مُحلَّل

فيما يُسلّم معظم الإسرائيليين بفكرة الدولة الفلسطينية التي ستقوم يومًا ما، وحتّى معظم اليمينيين، أمثال نفتالي بينيت، يُدركون أنّه يجب تركيز الصراع على كتل الاستيطان في الضفة الغربية لا الأرض كلّها، فإنّ جماعة "شبّان الهضاب" لا تتنازل عن أيّ مليمتر: كلّ الأرض هي للشعب الإسرائيلي. يوضح مئير برتلر، أحد قادة المجموعة: "فقط الجيل الشاب، الشبان الذين يعلمون في الهضاب، المستوطنات، والبلدات مستعدّون اليوم للصراع على الأرض كلّها، على حقّنا في نابلس، أريحا، الخليل، وكلّ الأراضي".

مستوطن ملثم في يتسهار (Mendy Hechtman/Flash90)

مستوطن ملثم في يتسهار (Mendy Hechtman/Flash90)

وفي الطريق للاستيلاء على كلّ الأرض، كلّ شيء محلَّ. "شبّان الهضاب" هم المجموعة التي خرجت منها نشاطات "تدفيع الثمن". "شبّان الهضاب" همّ أوّل من جعل الفلسطينيين يدفعون ثمن المواجهة بين الجيش والمستوطِنين. فكلّ مبنى يجري إخلاؤه في الضفة الغربية يدفع الشبّان إلى الانتقام وإفراغ غضبهم في الفلسطينيين.

أمّا الفلسطينيون فيبدو أنهم اعتادوا على عُنف المستوطِنين، ويدّعون أنّ الجيش الإسرائيلي هو مَن يدعم هذه الأعمال. لكنّ الضرر الفلسطيني كان، كما يبدو، مجرّد مقدّمة للمسّ بالجنود الإسرائيليين أنفسهم. فهذا الأسبوع صُدمت إسرائيل لدى الاكتشاف في وقت متأخر أنّ "شبّان الهضاب" أضحَوا قوة مستقلة وقويّة. فحين دمّر شبّان من مستوطَنة يتسهار موقعًا عسكريًّا إسرائيليًّا من أساسه احتجاجًا على إخلاء بيوت، وقف الجنود عاجزين. فهم لا يعرفون كيف يتعاملون مع رعاع يهود.

في الوقت الراهن، بعد أن اتّضح للجميع في دولة إسرائيل أنّ "شبّان الهضاب" قوّة لا يمكن السيطرة عليها ومعادية، تقترب لحظة الحَسم. "إنها نقطة التحوُّل"، أوضح هذا الأسبوع محلّل صحيفة "يديعوت أحرونوت"، ألكس فيشمان، مضيفًا: "مَن تغاضى لسنوات عن نشاط "تدفيع الثمن" ضدّ العرب لا يجب أن يُفاجأ حين تُهاجَم القوى الأمنية". في الفترة القادمة، سيتّضح إن كانت دولة إسرائيل قادرة على السيطرة على "شبّان الهضاب"، أم إنّها ستجعلهم يتحكّمون بها.