حاوِلوا أن تنسوا كل ما تظنّون أنكم تعرفونه حول الحرب. فالتحديثات التكنولوجية التي رأت النور مؤخرًا في السنوات الماضية ستُغيّر المشاهد المعروفة للدبابات، المدافع، الطائرات، والبندقيات. في ساحة المعركة المستقبلية، قد لا نشاهد جنودًا يُطلقون النار واحدهم على الآخر. المستقبل، على حدّ زعم خبراء الأمن، سيكون للروبوتات.

حَشد لا يمكن إيقافُه

وفقًا للاختصاصيين، يمكن للروبوتات أن تجري مهامّ هامةً كانت حتى اليوم حصرًا على الجنود البشر. فآلاف الأدوات الأوتوماتيكية هي التي سُتدير الحروب القادمة، مع تدخُّل بالحدّ الأدنى - وخطر بالحدّ الأدنى - على الجُنود المُقاتلين. رغم أنّ الذكاء البشري لا يمكن استبداله حتّى الآن بالذكاء الصناعي، لكنّ الإنسان الآليّ الأكثر بساطةً يمكنه في معظم الحالات أن ينفّذ المهامّ بشكل أفضل من الجندي الأكثر مهارةً. فالخبراء يروون أنّ زمن ردّ الفعل للإنسان الآليّ المقاتل يُتوقَّع أن يكون 0.1 ثانية - فترة أقصر بكثير من زمن ردّ فعل المقاتل ذي الأحاسيس الأقوى.

وتكثر المهامّ التي يمكن للروبوت تنفيذها أفضل من الجندي. وأحد السيناريوهات الأهم هو العمل في منطقة ضُربت بسلاح بيولوجي أو كيميائي، لا يؤثر في الروبوتات. السيناريو الثاني هو إزالة القنابل وتفكيك الألغام، بطريقة تشكّل أدنى خطر على حياة الإنسان. والاستخدام الإضافي، الذي بدأ في مجالات مدنيّة، هو تحديد مكان الناجين من ضحايا كارثة، مثل قصف، تسونامي، أو زلزال. فبإمكان الروبوت أن ينفذ داخل الفراغات والجيوب الهوائية التي لا يمكن للبشر بلوغها، ثم تحديد مكان الناجين وإنقاذهم.

حدّد معهد أبحاث الأمن القومي في إسرائيل التغييرات الحاصلة في ميدان المعركة، وكرّس جهوده لدراسة الموضوع بعُمق. بادر المعهد في السنوات الماضية إلى بحث أول من نوعه، يُعنى بالتنبؤ التكنولوجي والسياسات. يهدف البحث إلى بلورة توقُّع تكنولوجي مفصًّل لعشرين تقنية أساسية حيوية لعالم الأجهزة غير البشرية، على امتداد العقدَين القادمَين. وستُعرَض نتائج البحث، الذي ركَّز على استخدام أدوات آليّة دون ملامسة يد إنسان، في مؤتمَر مغلق يُجرى الشهر القادم في تل أبيب.

وأوضحت ليران عنفتي، مديرة البحث، مؤخرا لصحيفة "معاريف" كيف سيبدو ميدان المعركة الروبوتية: "يمكن التخطيط لكلّ مهمة عسكرية بطريقة مستقلّة. كل مهمة عسكرية تقريبًا يمكن تنفيذها بشكل مستقلّ، وسيعمل معظم الأدوات في أسراب، أي مجموعة أدوات تعمل بالتنسيق، بتواصل سريع فيما بينها، دون تدخُّل بشريّ. سترفع هذه الأمور وتيرة ساحة المعركة حتى ما يفوق حدود القدرة البشريّة".

وفقًا للمختصّين، أفضل استعارة لعمل الروبوتات في ساحة المعركة في المستقبل هي أسراب الحشرات أو النمل: في سرب النمل، ثمة نمل يعمل ونمل يقاتل - لكلّ نملة وظيفة مختلفة. كذلك، ستعمل أسراب الروبوتات في ساحة المعركة بطريقة مماثلة: من مجموعة 300 رجل آليّ تعمل في الوقت نفسه، سيؤدي كل منها مهمة مختلفة، بالتنسيق الواحد مع الآخر. ويتوقعون الخبراء أنّ أسرابًا من عشرات، وربما مئات، الأدوات ستعمل معًا بعد نحو عشرين سنة ضمن سرب واحد، يعمل كهيئة واحدة. إذا أُصيب روبوت واحد، يمكن لباقي الروبوتات في السرب العمل معًا.

إحدى الصفات المثيرة التي يتوقّعها الخبراء بخصوص الأدوات الحربية المستقبلية هي قدرتها على المحاربة بقواها الذاتيّة. ويقدّر خبراء أنه حتى عام 2028، ستكون للروبوتات المستقلّة في ساحة المعركة قدرة ذاتية على التعافي من شظايا قذائف، دون الحاجة إلى علاج بشري. والقدرة المستقبلية الأخرى التي تُستخدَم جزئيًّا هي القدرة على التّمويه. إسرائيل هي مركز هامّ في تطوير هذه القُدرة، وتمتلك دول العالم تقديرًا كبيرًا لها. أحد التحديثات المثيرة للاهتمام في السنوات الأخيرة هي منظومة Black Fox، التي تحقّق الحلم الأكبر لكلّ قائد عسكريّ ميدانيّ: أن يَرى ولا يُرى. "يمكن لميليشيا مموّهة أن تدمّر بسهولة دبّابةً، تُرى جيّدًا. نريد أن نقلب المعادلة"، أوضح رونين مئير، المدير العامّ لشركة "ألتيكس" الإسرائيلية، التي طوّرت المنظومة.

الصين تقلّص الفوارق، ألمانيا تعود إلى الصورة

رغم التوقعات المستقبلية الحماسية، فإنّ مكانة صناعة السلاح التقليدية لا يُتوقَّع اضمحلالُها قريبًا. صناعة السلاح الأكثر ريادةً موجودة في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تبلغ موازنة الأمن فيها أكثر من 250 مليار دولار. إحدى ذُرى المساعي الأمريكية هي حاملة الطائرات الجديدة، UXV، التي ستُستخدَم كقاعدة لإطلاق طائرات 35F، الأكثر تقدُّمًا في العالم والقادرة على الإقلاع والهبوط عموديًّا. وليس هناك الكثير من المعلومات عن هذا التطوُّر البحري السري للولايات المتحدة، لكنّ التقديرات هي أنّ مدافع متطورة قادرة على إطلاق 20 قذيفة في آن واحد ستُركَّب على سُفن UXV‎ هذه، وكذلك بركة مائية داخلية تتيح إطلاق غوّاصات لمهمّات تجسُّس من داخل السفينة.‏

يعرفون الأمريكيون جيّدًا أنّ الجندي الآلي لن يستبدل كلّيًّا الجندي البشري، ولذلك تطوّر الصناعة العسكرية الأمريكية ذراعًا روبوتيّة متطوّرة، توصل بدماغ الجنود، وتستطيع زيادة قوتهم وقدرتهم على الأداء في ساحة المعركة. ويُقدّر في الولايات المتحدة أنّ الأعضاء الروبوتية ستصبح واقعًا ملموسًا في العقد القادم.

حاملة الطائرات الاميريكية Uxv (ويكيبدية)

حاملة الطائرات الاميريكية Uxv (ويكيبدية)

لكن رغم الهيمنة الواضحة للولايات المتحدة الأمريكية، يبدو أنّ الصين تُطلّ برأسها. فبرنامج وزارة الدفاع الصينية الذي نُشر في الماضي يدلّ أنّ الصينيين سرّعوا وتيرة تطوير طائرات المراوغة، الغوّاصات، الصواريخ، والمنظومات ضدّ الأقمار الاصطناعية. أمّا ذروة جهود التسلّح الصينية فهي طائرة المراوغة 20J. القليل جدًّا معروف عن الطائرة، التي يُبقي الصينيون معظم معلومات تطويرها سرًّا. يدّعي خبراء أنّ الطائرة ستكون قادرة على الطيران لأبعاد طويلة حاملةً كميات كبيرة من الذخيرة.

طائرة J-20 الصينية (ويكيبدية)

طائرة J-20 الصينية (ويكيبدية)

في الختام، إنّ أحد أكثر التحديثات العسكرية إثارة للاهتمام يأتي من دولة تحاول منذ عقود عدم إظهار صورة عسكرية - ألمانيا. فقد طوّرت الصناعة الألمانية مؤخرا منظومة IDZ‏، التي تُدعى "سلاح تجسُّس المستقبل". تدمج المنظومة بين القدرة على التنقّل، الدفاع، والتوجيه حتى مستوى الجُندي الفرد. تشمل المنظومة حماية شخصية ضدّ القذائف، وحتى وسائل قتاليّة بيولوجيّة وكيميائيّة. كذلك، تشمل المنظومة حاسوب قتال، يحمله الجندي، ينسّق بين مجمل الجنود، بمن فيهم القنّاصة، المركبة المحصّنة، والطائرات الصغيرة دون طيّار. تتيح المنظومة للقوّاد أن يروا صورة المعركة عبر منظار جنديّ أرسلوه للمراقبة. سيتركز عمل المنظومة في مركبات متنقلة تُدعى "السفينة الأم"، حيث سيجلس جنود يركّزون المعطيات ويحلّلونها.