يعيش العميد الدكتور عدي لايبه، ضابط طب رئيسي في الجيش الإسرائيلي في أراضي الضفة الغربية أياما صعبة. فهو مسؤول عن تقديم العلاج في حالات الصدمة في الضفة، والتي تحدث غالبا في مواقع حوادث الطرق أو حوادث العمل، غير أنه في الفترة الأخيرة يجد نفسه مشغولا في تقديم العلاج إلى "المصابين نتيجة الصراع".

وقد أجرينا المحادثة معه في أعقاب الحادثة التي يدور الحديث عنها والتي وقعت في الخليل، إذ تم فيها توثيق جندي من الجيش الإسرائيلي وهو يطلق النار على فلسطيني منفذ عملية الطعن، بينما كانا مستلقيا وحيا، ولن يتلقى أي علاج طبي.

العميد الدكتور عدي لايبه (IDF)

العميد الدكتور عدي لايبه (IDF)

ماذا حدث حقا في هذه الحادثة؟

"ما زالت هذه حادثة قيد التحقيق، ولذلك لا يمكن التطرق إليها بتوسع في كل ما يتعلق بتصرف الجندي".

من دون أية علاقة بالجندي، يُرى شخص وهو مستلق وجريح، ويقف حوله مضمدون ولا يُقدّم له أحد العلاج. هل أعتقدوا حقا أنه يحمل على جسده حزاما ناسفا؟

"من المهم التشديد على أن المضمدين الذين كانوا في موقع الحادثة كانوا متطوعين من نجمة داوود الحمراء. هذه منظمة مدنية، وليست لها صلة بسلاح الطب. بصفتنا أخصائيين في مجال الطب العسكري فنحن معتادون على المخاطرة، وهذه هي الأنظمة الإدارية، ولكن يختلف التوجه عندما يدور الحديث عن جهة مدنية ليست معتادة على هذه الحالات. بالمناسبة، لا يمكن في مقطع الفيديو أن نرى، ولكن لقد وصلت سيارة خاصة بنا بعد دقيقتين، وركضت المضدمة نحو الطاعنَين، ولكنهما كانا قد فارقا الحياة، فاستدعت الطبيب الذي أعلن عن وفاتهما".

ما هي الأنظمة الإدراية الخاصة بكم؟

"من الواضح جدا لدينا أنه يجب تقديم العلاج لكل محتاج، وفق خطورة الإصابة. لا شك أنه يتم تقديم العلاج للفلسطينيين أيضا، بما في ذلك هؤلاء الذين أصابوا أو حاولوا إصابة الجنود. ولا يتم تقديم العلاج لهم في موقع الحادثة فحسب، بل تقديم إعادة التأهيل بعد ذلك، والعلاج في المستشفيات في إسرائيل.

وهل يتم هذا حقا في أرض الواقع؟

"نعم من دون أدنى شكّ. نحن أخصائيون في مجال الطب. لقد قسم كل منا قسم أبقراط الخاص بالأطباء أو القسم الخاص بالمضمدين، وقسم الولاء "لتقديم العلاج لكل إنسان، محبا كان أو عدوا، لكل إنسان أيا كان". النظم الإدراية واضحة جدا، ونحن نكررها دائما - نعالج كل من يتواجد في مكان الإصابة وفق خطورة الإصابة، وبهدف إنقاذ حياة أكبر عدد من المصابين. وحياة منفذي العمليات أيضا.

وبفضل هذا التوجه، هناك عشرات منفذي العمليات الذين هم قيد الحياة الآن"، يقول الدكتور لايبه، وهو يقصد الفلسطينيين الذين نفذوا عمليات في الآونة الأخيرة، وقد أطلقت النار عليهم فأصيبوا وذلك لمنعهم من تنفيذ العملية، وبعد ذلك، قد حصلوا على علاج من قبل مضمد وأطباء تابعين لسلاح الطب الذين أنقذوا حياتهم. ومن ثم، نُقلوا ليجتازوا إعادة التأهيل ويتلقوا علاجا في المستشفيات الإسرائيلية وفي الضفة.

لا مكان للسياسة في الطب. يبرز هذا بشكل خاص في الطب العسكري، كل الوقت، مثلا عند معالجة اللاجئين السوريين في الشمال، والفلسطينيين في المركز، وكل شخص أيضا.

"هل حقيقة أنهم تلقوا علاجا أخلاقيا واهتماما من الجنود في موقع الحادثة ومن ثم حظيوا برعاية الأطباء الإسرائيليين، ستُغيّر من نظرتهم حول الإسرائيليين؟ لست متأكدا، يجب طرح السؤال عليهم. آمل أن ذلك سيُغير تفكيرهم حقا"، يقول الدكتور لايبه، وأشك في ذلك.

"أريد أن أخبرك بحادثة حدثت منذ وقت ليس بعيد. أنا لا أعمل غالبا في مواقع الحوادث حقا، ولكن كنت في مناوبة، واضطررنا إلى تقديم علاج طارئ لمصابين في حادثة تنفيذ عملية طعن في أحد الحواجز في الضفة. وقد عرفت أن هناك جنودا مصابين، ولكن عندما وصلت ركضت فورا نحو مصابا كان مستلقيا وكانت إصابته صعبة. عرفت أن ذلك المصاب هو منفذ عملية الطعن، وبينما كنت أركض نحوه سألت إذا كان هناك جنود مصابين. وقد فهمت أن الجنود أصيبوا إصابة خفيفة، ولذلك تابعت الركض نحو الطاعن لتقديم العلاج له، ولكن فور وصولي شاهدت أنه كان ميتا، وقد اضطررت إلى الإعلان عن وفاته. ومن ثم اهتممت بنقل جثته وهي كاملة وباحترام. تهمنا المحافظة على كرامة الحي والميت على حد سواء.

هل هناك توجيهات تقضي بالانتظار والتأكد من عدم وجود خطر قبل تقديم المساعدة؟

ليست هناك توجيهات كهذه، بل العكس، هناك توجيهات واضحة لعدم الانتظار حتى وصول مفكك العبوات الناسفة، لأن الحديث يدور غالبا عن إصابات تُلزم علاجا فوريا منقذا للحياة. ليس هناك ما يمنع تقديم العلاج للفلسطيني، إلا إذا كان هناك خطر فوري حقيقي، ولكن يعود القرار في معظم الحالات إلى المضمد أو طبيب موجود في موقع الحادث، وضابط في المنطقة الذي يفحص الظروف، ويقرر دائما تقريبا، أن يتم تقديم العلاج.

هل كانت هناك حالات رفض شخص ما تقديم العلاج لمنفذ عملية؟

"لم يحدث هذا لدينا أبدا. نحن خبراء بمجال الطب، ولا مكان للسياسة في الطب. يبرز هذا بشكل خاص في الطب العسكري، كل الوقت، مثلا عند معالجة اللاجئين السوريين في الشمال، والفلسطينيين في المركز، وكل شخص أيضا. نحن نشدد على هذه النظم الإدراية طوال الوقت.

ونحن نتوقع التوجه ذاته من الهلال الأحمر، ولكن للأسف الشديد، لا يكون الأمر هكذا دائما. فقبل عدة أسابيع، حدثت حالة هوجمت فيها سيارة عائلة معينة، وعند وصول سيارة الهلال الأحمر ومعرفة أن الحديث يدور عن مستوطنين فقط، لم ينزل المسعفون من السيارة. رغم ذلك، هناك حالة أخرى أنقذ فيها مسعفو الهلال الأحمر حياة المستوطنين".

إخلاء جرحى بمروحية عسكرية (IDF)

إخلاء جرحى بمروحية عسكرية (IDF)

تحسين نسيج الحياة

رغم كثرة حالات الهجوم في الآونة الأخيرة، يرتكز عمل شعبة سلاح الطب في الروتين اليومي. هناك الكثير من حوادث الطرق، حوادث العمل في المصانع أو في البنايات، النوبات القلبية، اضطرابات القلق، وكذلك إصابات نتيجة حالات هجوم ونزاع.

"لقد عالجنا في السنة الماضية 325 فلسطينيا، 397 مواطنا إسرائيليا في الضفة"، يقول دكتور لايبه. في جزء من الحالات، مثل حوادث الطرق، نرسل سيارة إسعاف عسكرية إلى موقع الحادثة ذاته. هناك أحيانا طلب المساعدة والذي يتم عن طريق مُديريّة التنسيق والارتباط أو الإدارة المدنية، ونحن نعمل بالتعاون مع الهلال الأحمر. ويعرف الفلسطينيون أنه يمكنهم الوصول إلى ثكنة عسكرية مهجورة في منطقة عارورة لتلقي العلاج، إذ يصل فلسطينيون يحتاجون إلى علاج طارئ في حالات الصدمة. ونحتاج أحيانا إلى الدخول الفوري إلى القرى ذاتها، مثل ما حدث يوم أمس، عندما استدعيت لتقديم علاج طارئ في قرية برطعة الشرقية الفلسطينية.

رؤيتي المهنية وأولوياتي هي "تحسين الطب ونسيج الحياة". أحاول قدر المستطاع عن طريق الطب تحسين حياة السكان الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة.

نحن أخصائيون في مجال الطب. لقد قسم كل منا قسم أبقراط الخاص بالأطباء أو القسم الخاص بالمضمدين، وقسم الولاء "لتقديم العلاج لكل إنسان، محبا كان أو عدوا، لكل إنسان أيا كان".

مثلا، هناك تعليمات قررنا اتخاذها قبل سنتين، وهي تقضي أن المضمد قادر على اتخاذ قرار حول إخلاء مصاب فلسطيني إلى مستشفى إسرائيلي إذا كان يعتقد أن ذلك ضروريا لإنقاذ حياته. كان يتطلب ذلك في الماضي الكثير من المكالمات الهاتفية، التنسيقات، والتصريحات. ولكن أصبحت الخطوة اليوم أقصر وتتيح إنقاذ الحياة بشكل أفضل وأنجع. رغم أن هذا يكلف المنظومة الطبية في إسرائيل الملايين، لأن ليست هناك جهة تمول هذا العلاج، فالقرار يعود إلى المضمد. وعندما يعتقد أن العلاج ضروري لإنقاذ الحياة، فيرسل المصاب إلى إسرائيل.

هناك حالات يتم فيها استشارة العاملين في الهلال الأحمر، أو المصاب ذاته. وإذا كان المصاب يعتقد أنه من الأفضل له أن يمكث في مستشفى في نابلس، لأنه يكون قريبا من عائلته، ستُلبى رغبته، طبعا، ولكن يطلب المرضى غالبا المكوث في المستشفيات في إسرائيل، وأصبح اليوم تحقيق ذلك أسهل علينا.
كانت هناك حالة لطفل عمره عامين من نابلس ويعاني من 90% من الحروق في كل جسمه. نُقل لتلقي العلاج في مستشفى فلسطيني، وأردنا أن ننقله إلى إسرائيل. ولقد خشينا جدا من القيام بتلك الخطوة، لأن حالته كانت حرجة ومعرضة للخطر وخفنا من أن يموت في الطريق. في حالات كهذه، هناك من يستغل هذه الظروف للأهداف الفلسطينية وينشر أكاذيب تفيد أننا ارتكبنا عملية القتل عمدا. في نهاية المطاف، أرسلنا سيارة إسعاف عسكرية، وبالتنسيق مع الهلال الأحمر، نجحنا في نقله  إلى مستشفى هداسا وإنقاذ حياته. هذه كانت أعجوبة حقا. ما زار الطفل يخضع لإعادة التأهيل، ولكنه حيا وحالته جيدة. ما زلت حتى الآن أرى والده، وهو سعيد جدا لأننا أنقذنا ابنه، ففي نظره ليس هناك فرق إذا كنا نرتدي زيا عسكريا أم لا، ما يهمة هو حياة ابنه.