يصل مئات اللاجئين من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يوميًّا إلى المخيّم الانتقالي في بريسيفو (Presevo)، وهي مدينة صربية صغيرة، تقع على بعد نصف ساعة سفر من الحدود الجنوبية للبلاد. يأتي رضّع وُلدوا في الرحلة، نساء ورجال وهم يحملون الأكياس، مبتورو الأطراف ومسنون يتنقلون بكراسٍ متحرّكة - يصل جميعهم بالقطارات من اليونان، ويمرّون بمقدونيا ومن ثم يجتازون الحدود إلى المدينة الصربية، التي تعمل فيها نحو 20 منظمة إنسانية. يشكل الجوع، الإرهاق والبرد جزءًا من المشاكل التي يضطرّ اللاجئون إلى مواجهتها. ثمة مشاكل أخرى تعود إلى السياسة المحلية والاعتبارات الاقتصادية.

بحسب بيانات الأمم المتحدة، فمنذ بداية العام وصل إلى أوروبا بالقوارب نحو 900 ألف لاجئ. 83% من اللاجئين قادمون من اليونان، ومن هناك يمرّون بالمسار الذي يوُصلهم إلى مخيّم بريسيفو، حيث تنتظرهم خيام الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة. يأتي معظمهم من سوريا، العراق، أفغانستان وإيران، ولكن يمكننا أن نجد أيضًا أفارقة، تم تعريفهم من قبل الأمم المتحدة باعتبارهم مهاجري عمل ويتم ترحيل معظمهم في مرحلة ما من الرحلة. وقد يصل اللاجئون بالقطار حتى محطة في القرية المقدونية تابانوفتسي (Tabanovtse)، وبحسب كلام جال يافي، وهو ضابط عمليات تابع لبعثة جمعية "ناتان" العاملة في المكان: "يمشون من هناك كيلومترين نحو صربيا، على الحصى، الطين وأحيانا في المياه التي تصل إلى الركبة".

ويوضح ألكسندر، المقيم في سكوبيه والعامل في المخيم من قبل المنظمة المقدونية لاستراده، أنّ "كلّ شيء بسبب السياسة. لو أرادوا كان بالإمكان توفير هذه المعاناة، ولكن الجميع يستفيد منها - فيما عدا اللاجئين بطبيعة الحال". وهكذا، عند الانتهاء من المشي يصل اللاجئون إلى نقطة تفتيش، وينتقلون منه مشيًّا نحو ساعتين حتى محطة حافلات في البلدة الصربية ميراتوفاك (Miratovac)، حيث يمكنهم السفر منها مجانا إلى مخيّم بريسيفو. "لاحظ السائقون المحليّون الفرصة التي فتحتها أمامهم الحكومات"، كما يقول يافي، "إنهم ينتظرون اللاجئون قليلا قبل محطة الحافلات، يخيفونهم من أنّ المشي لا يزال طويلا ويجبون منهم أسعارا باهظة". ويضيف ألكسندر: "يكسب سائقو الحافلات وسيارات الأجرة رزقهم واللاجئون يعانون".

وتقول الدكتورة مايا عاصي، المقيمة في المكان مع البعثة، عن مشكلة السفريات: أراد "بعض المتطوّعين من منظمة "أطباء بلاد حدود" مساعدة الناس ذوي الاحتياجات الخاصة ونقلهم، ولكن سائقي سيارات الأجرة هدّدوهم مشهرين صوبهم المسدّسات"، كما تقول عاصي، التي يعود أصلها إلى كفر برا. "لأن الجميع يربحون، فالحكومة لا تتدخّل"، وقد أضافت مشيرة إلى أنّ المنظمات العاملة في المكان قد طلبت من السلطات تشغيل الحافلات على مدار الساعة وتأمينها في الليل. "هذا غير إنساني. يستغلّون الضعفاء"، كما تضيف نجاة أبو صالح، عاملة اجتماعية من سخنين وهي أيضا عضو في البعثة. وتوضح أبو صالح أنّ هذه "منظومة مدعومة، شيئا ما يحدث بشكل نظامي. لا يعرف اللاجئون أين يتواجدون وهم مستعدون لدفع المال، فقط ليشعروا بالأمان. يتم تداول الأعمال هنا من جميع الاتجاهات".

جمعية "ناتان" هي جمعية إسرائيلية سمّيت على اسم ناشط السلام آيبي ناتان، وكما يقول يافي فإنّ أعضاءها يساعدون في حالات الطوارئ في جميع أنحاء العالم، مثلا بعد حدوث الزلازل في نيبال وهايتي. ويوجد في فريق "ناتان" المتطوّع في بريسيفو أطباء وعاملون اجتماعيون يهود، مسيحيون ومسلمون، وهم يؤدون دورا مهما في المخيّم بفضل إلمامهم باللغة العربية. "أنت كمن ينقذهم من حفرة"، تقول كفى جبران، وهي عاملة اجتماعية من قرية الرامة. "في لحظة ما يشعرون بالأمان، ويستعيدون القليل من الاستقرار الذي كانوا يشعرون به. نحن نترجم لهم، نساعدهم على معالجة أوراقهم وهذا يساعدهم جدا. وهذا ليس على المستوى العملي فحسب، بل على مستوى الشعور الداخلي بأنّ الحديث يدور عن أشخاص يهتمون بك، ويمكن أن يفهموك جيدا".

التحدي الأكبر هو التواصل مع اللاجئين من أفغانستان. فلا يتحدث معظمهم الإنجليزية أو العربية وهناك القليل من المترجمين إلى الفارسية في المخيم، بحيث يتوجب على الطواقم الارتجال من أجل التواصل مع المرضى. "أتحدث معهم تحديدا بلغة الإشارة"، يقول الدكتور أيمن معلم، وهو في السادسة والعشرين من عمره من قرية عيلبون الواقعة شمال إسرائيل. وقد مرض معلم نفسه، كما يبدو بعد معالجة اللاجئين. "نحن نستقبل 150 لاجئا يوميا بحيث لا يمكن تجنّب العدوى. فنحن نستخدم الكحول للتعقيم، ولكن لا يمكن تجنّب العدوى"، كما يقول.

"يختار الكثير من اللاجئين ألا يمرّوا بالعيادة أبدا، حتى لو كانوا هم أو أقرباؤهم مرضى"، كما تقول الدكتورة داليا نبوت-مينتسر من كيبوتس مزراع. "أولا، لأنّه في كل محطة يمرون فيها هناك العديد من الخدمات، وتوفّر المساعدة عال. إلى جانب ذلك، فهم يختارون التوجه إلى العيادة فقط عندما يكون لديهم وقت، وعندما يعتقدون بأنّهم متأخرون على أي حال من الأحوال. وهذا في صالحنا، لأنّهم يعلمون بأنّهم سيعلقون في المخيّم على أية حال". تتحدث نبوت-مينتسر عن امرأة من العراق في الشهر الخامس من الحمل والتي أصيبت بضربة في بطنها وقالت إنها لم تعد تشعر بحركة جنينها. "كنا بحاجة إلى توجيهها إلى التصوير بالموجات فوق الصوتية في المستشفى، وأخبرناها بأنّها ستسافر وتعود"، كما تقول نبوت-مينتسر، "فذهبت لتسأل زوجها ولم يعودا مطلقا، ببساطة استمرّا في طريقهما". وفقًا لكلامها: "يمنح القانون الصربي تصريح إقامة لمدة 72 ساعة، ومن بعدها، يصبح اللاجئون لاجئين غير شرعيين ويكونون معرّضين للاعتقال. بالإضافة إلى ذلك، هناك تكاليف للرعاية الطبية - فخلال الـ 72 ساعة هذه يحق لهم الحصول على الرعاية الطبية مجانا، ومن ثم تبدأ مسؤولية تمويل تكاليف الرعاية".

وتوضح جبران قائلة: "لم نأت من إسرائيل كي نلاقي عدوّا. أتينا كبشر للقاء بشر في ضائقة. عندما يسألونني، أجيب أنّني من إسرائيل، وأنّنا منظمة من جميع الديانات وقد جئنا لتقديم المساعدة". وفقا لكلامها، يستجيب المرضى في التعامل معها بشكل ممتاز. "يعبّر الجميع عن احترامهم لنا، ويسألون إذا نحن من عرب 48 فأجيب بنعم. هناك قسم يتفاجأ عندما يعرف أننا من إسرائيل ولكنهم يقبلون ذلك ويشكروننا".

ظهرت هذه المقالة لأول مرة على موقع صحيفة "هآرتس"