إنّه أمر لافت أن ثلاث نساء يقدن أحزابا مهمّة في إسرائيل، وهن: تسيبي ليفني زعيمة حزب "هتنوعا" (الحركة)، شيلي يحيموفتش زعيمة حزب "العمل" (رئيسة المعارضة)، وزهافا غلؤون، رئيسة حزب "ميرتس". الثلاث يملن إلى اليسار السياسيّ في إسرائيل، ولكل واحدة منهن "كاريزما" وقدرة على استقطاب الجماهير، ويعتقد متابعون لأسلوبهن القياديّ والسياسيّ أنهن يفضلن الأسلوب الرجوليَ لكي ينجحن في قيادة الحزب.

ونميّز في المقالة بين نموذجين، النموذج الذكوريّ أو الرجوليّ والنموذج النسائيّ للقيادة، وما يميّز الأول هو خطاب شفوي حازم، يتسم بالعقلانية والمبادرة، وغالبا ما يكون الاتصال غير اللغويّ، أي لغة الجسد والسلوك، مضبوطا ومُحْكما ومتوعدا، وتبرز به الرغبة في التوسّع والسيطرة، والشعور الفائض بأهمية ال "أنا".

أما النموذج النسائيّ، فمن ناحية الخطاب الشفوي، فيكون لطيفا وعاطفيا، وينتظر صاحبه أو صاحبته على الأدق رضا الجمهور، ومن ناحية الاتصال غير اللغويّ، فيكون الصوت به عاليا، ويتسم بكثرة حركات اليدين، والتي تكون حركات دائرية، وكذلك يبرز الاهتمام بالجسم والمظهر الخارجي، وهو أسلوب حافل برقة التعبير والسنتمنتالية.

تسيبي ليفني

ربما من أقوى النساء في إسرائيل، وأكثرهن استعمالا للخطاب الرجوليّ. وهي في الحاضر رئيسة حزب "الحركة"، بعد أن تزعمت في السابق حزب "كاديما"، ووزيرة العدل ومسؤولة عن ملف المفاوضات مع الجانب الفلسطيني.

ويعتقد مراقبون في إسرائيل أن ليفني، من خلال متابعتها في وسائل الإعلام وحملتها الانتخابية الأخيرة، تعتمد كثيرا على النموذج الرجوليّ للقيادة في تواصلها مع الجمهور، مبرزة خطابات صارمة وأحيانا فظّة، وهي لا تعتذر عما تقول، ولا تتردد فيما تقول. ويشير مختصون في لغة الجسد إلى أن رسائل ليفني الشفويّة غالبا ما تكون قصيرة وواضحة ومضبوطة. وتستعمل ليفني كثيرا كلمة "أنا" في خطاباتها. ومن ناحية اللباس، فكثيرا ما تظهر ليفني ببدلة ذكورية في المناسبات الرسميّة.

ويقول مراقبون في إسرائيل إن ليفني تجتهد مؤخرا لتُدخل إلى أسلوبها وخطاباتها السياسيّة ميّزات نسائيّة مثل: التعاطف واللطافة والإصغاء، أكثر من ذي قبل. ويذكر أن سجل ليفني لا يقتصر على مناصب سياسيّة، فقد عملت في مهامّ خاصة في جهاز ال "موساد"، وهو جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، وربما للعمل هنالك كان تأثرا على أسلوبها في السياسة الرجوليّة.

زعيمة حزب "هتنوعا" تسيبي ليفني، وفي السابق زعيمة حزب "كاديما" (Ben David/ Flash90)

زعيمة حزب "هتنوعا" تسيبي ليفني، وفي السابق زعيمة حزب "كاديما" (Ben David/ Flash90)

شيلي يحيموفتش

انتقلت يحيموفتش إلى النشاط السياسي عام 2005 بعد مشوار طويل في الإعلام، وترقت في سلم المراتب في حزب "العمل" وصولا إلى زعامة الحزب عام 2012. لكن كيف استطاعت شيلي أن تشق طريقها لزعامة حزب له تاريخ عريق في إسرائيل، وفي ذلك محاربة جنرالات وسياسيين مرموقين أمثال إيهود باراك.

يعتقد متابعون أن أسلوب شيلي الحازم ورغبتها في السيطرة ساهما كثيرا في ذلك. ومن خلال مراقبة خطابات يحيموفتش في الكنيست الإسرائيلي (وكذلك في جلسات الحزب)، وظهورها في وسائل الإعلام، يتضح بجلاء أن شيلي حازمة وهجومية ومتوعدة، وأنها تجنح في خطاباتها إلى الأسلوب الذكوريّ. ويسخر كثيرون من يحيموفتش أن هاجسها الأكبر هو إنجاز المهام، رغم أنها تحاول عبر صفحة "فيس بوك" الشخصية، إبراز جوانب لأمومتها، واضعة صورا لها وهي تطبخ في بيتها.

واتهم أعضاء من حزب "العمل" زعيمة الحزب بأنها تعزز موقعها، كرئيسة للحزب، بطرق "عنيفة". ووصف أحد المتهمين، عضو الكنيست أيتان كابل، يحيموفتش بأنها "ديكتاتورية". وأوضح للإعلام الإسرائيلي أن يحيموفتش تسعى إلى تمرير إجراءات في الدستور الحزبي لتعزّز من مكانتها، محوّلة حزب "العمل" إلى حزب "يحيموفتش".

يُذكر أن يحيموفتش خاضت خلال مشوارها الإعلامي ونشاطها الاجتماعي معارك شديدة للدفاع عن الطبقات الضعيفة والعمال في إسرائيل، وكانت هذه المعارك على الأغلب ضد ملوك الأموال ورجال ذوي نفوذ واسع في إسرائيل، مما فرض عليها اتّباع أسلوب صارم، خالٍ من الرقة والرخو.

وفيما يتعلق بالمظهر الخارجي، فقد تخلّت يحيموفتش عن شعرها المجعّد ومظهرها "المتحرر"، وأصبحت تفرد شعرها ليكون ناعما، ولكي تظهر بمظهر ملتزم ورسمي أكثر.

زهافا غلؤون

زعيمة حزب "ميرتس" زهافا غلؤون (Miriam Alster/FLASH90)

زعيمة حزب "ميرتس" زهافا غلؤون (Miriam Alster/FLASH90)

زهافا غلؤون هي رئيسة حزب "ميرتس" اليساري منذ عام 2012. بدأت نضالها الاجتماعي كناشطة في مدينة "بيتح تيكفا"، حيث ولدت، وترأست في جيل مبكر مظاهرات تطالب بالسّماح لدار السينما في مدينتها بالعمل يوم السبت، وهو يوم عطلة في إسرائيل، ومقدس حسب الديانة اليهودية ويحظر فيه العمل. وبعد أن وصلت للكنيست برزت كمحاربة من أجل حقوق الإنسان وعلى وجه الخصوص حقوق المرأة.

وتختلف غلؤون عن زميلاتها، ليفني ويحيموفتش، بأنها تميل أكثر إلى النموذج النسائيّ للقيادة. لكنهت تلجأ كثيرا إلى الأسلوب الرجوليّ، ويبين هذا الجانب حين تتصدى غلؤون إلى ممثلي الأحزاب اليمينية والدينية في إسرائيل، مبرزة مواقف جريئة تتسم بالحزم والصرامة في الشؤون السياسيّة، ومنها مواقف داعمة لإقامة دولة فلسطينية وانهاء الاحتلال في الضفة الغربية، وكذلك في قضايا حقوق المرأة، ومدنيّة دولة إسرائيل.

ويعتقد مراقبون أن غلؤون، رغم قوتها وحزمها، تحرص على أنوثتها. فأحيانا تظهر عليها الانفعالية في خطاباتها، وتوحي حركاتها وتصرفاتها بأنها تهتم بمظهرها الخارجي وبأنوثتها أكثر من غيرها، ومن ناحية اتصالها غير اللغويّ، فهي حين تشرح تحرك يديها بصورة دائرية، وتبرز ميّزاتها النسائيّة بدل كبْتها في اللباس والسلوك.

ويقول متخصصون في مجال الإعلام وعلم النفس في إسرائيل إن بحوثا جديدة تظهر أن السياسيّات، في الحاضر، يدركن أن نموذج القيادة التقليدي، والذي يفترض تصرف النساء مثل الرجال في عالم يسطر عليه الذكور، ولا سيما في مجالات مثل السياسة والأمن، لا يجذب الجمهور كما في السابق، ويقترح هؤلاء أن زعيمات كثيرات يحرصن على الدمج بين النموذج الذكوريّ والنموذج النسائيّ للقيادة. وعلى سبيل المثال: أنجيلا ميركل وهيلاري كلينتون، اللتان يتكلمان بصورة صارمة وحازمة، يجنحن في أسلوبهن غير اللغوي، أي السلوك والملابس، إلى النموذج النسائيّ.