لقد برزت ظاهرة الأطفال والمراهقين كإرهابيين منفردين أو في صفوف الجيوش والتنظيمات الجهادية على خلفية موجة الإرهاب الحالية ولكنها ليست ظاهرة فلسطينية فحسب. ففي العقود الأخيرة تعرضنا لحالات عديدة من الاستخدام الخبيث للمراهقين لأهداف سياسية وعسكرية، بدءا من عشرات آلاف الأطفال الذين يحملون مفتاح الجنة حول أعناقهم في الحرب الإيرانية العراقية، وصولا إلى الإرهابيين المنتحرين في نيجيريا وسوريا. فضلا عن ذلك، فإنّ هذه الظاهرة ليست مرتبطة بمجال الجهاد فقط، ووجودها يشير غالبا إلى ضعف إدارة السلطة أو إلى اليأس. البراءة الطفولية، التعليم المشوّه والظروف الحياتية القاسية تدفع الكثير من الأطفال إلى مناطق العنف والإجرام، والتي تكون موجّهة دينيا في أحيان كثيرة في الساحات التي تنشط فيها التنظيمات الجهادية. في المرحلة التي لا تكون فيها الهوية الذاتية متبلورة وثابتة بشكل كافٍ، فيتم في الكثير من الأحيان استغلال الأطفال لأهداف سياسية ودينية، والتي لا يفهمونها في الغالب. إذا كانت الحماية الأسرية والقيم الأساسية بالنسبة للكثيرين تجعل فكرة استخدام الأطفال كلعبة في الحرب، والانضمام في صفوف الجهاد والإرهاب محظورة لا يمكن تجاوزها بأي ظرف من الظروف، فإن العديد من مناطق الحرب قد أثبتت بأنّه في حالات معينة، يمكن لهذا الحظر أن يصبح مرنًا.

يتناقش الكثير من السياسيين والباحثين منذ سنوات طويلة حول الظروف التي ينشأ فيها جيل جديد من الجهاديين. التفسير الشائع الذي يتكرر في هذه الحالات، هو ظروف الحياة القاسية، التي تدفع الأطفال إلى هذه الطريق العنيفة. تُعتبر الظروف البيئية مثل الفقر، الدعارة، الجريمة، والفساد المحلي أو الحكومي، غالبا كعوامل بارزة لتطوّر الأفكار المتطرّفة. وكما تقول أغنية شاؤل تشرنيحوبسكي الشهيرة: "الإنسان ليس سوى مشهد طفولته"، فإلى جانب ذلك، من المهم التوضيح بأنّ الظروف البيئية القاسية التي ينشأ فيها الطفل ليست تفسيرا كافيا لهذه الظاهرة.

هناك مئات المراكز في أنحاء العالم لأحياء الفقر والجريمة، ولكن أولئك الذين يتوجّهون إلى الجريمة "العادية" أو إلى العنف على خلفية دينية، ما زالوا أقلية من الناحية الإحصائية. وفي حين أن خطورة الظروف متشابهة، فإنّ الأساس المنطقي الذي يقف وراءها مختلف قليلا. إنّ الأطفال الذين انضموا إلى التنظيمات الجهادية المختلفة، سواء باختيارهم المباشر أو وفق اختيار أهلهم، يعيشون غالبا في ظروف من الثقافة والتقاليد الدينية، ومن ثمّ ينشأ هذا الجذب والاتصال الأولي لتنظيم يعرض نفسه كهيئة دينية. في المقابل، فإنّ الأطفال الذين ينشأون في بيئة علمانية سيتصلون بنسبة أقلّ بالأطر الدينية ، الأفكار، والرسائل الدينية. في مثل هذه الحالات من المرجّح أنّ هؤلاء الأطفال سيتوجّهون إلى الجريمة "العادية" أو ينضمون إلى تنظيمات مسلّحة ليست ذات طابع ديني، مثل تنظيم FARC في كولومبيا. إنّ الحاجة الاجتماعية لإطار داعم، وخصوصا في الأعمار الصغيرة، هي قضية ذات أهمية لتشكيل حياة الشابّ الصغير، ومع غياب إطار معياري ومؤسسي، فقد أثبتت التنظيمات العنيفة بأنّها قادرة على ملء الفراغ.

أولاد يحاربون في العراق (الشرق الأدنى)

أولاد يحاربون في العراق (الشرق الأدنى)

إنّ براءة الأطفال، مع الأسف الشديد، تجعلهم في الواقع هدفا سهلا للانصياع. فعلى سبيل المثال يقضي أطفال غزة عطلتهم في معسكرات صيفية تابعة لحماس، ويتم إرشاد أطفال من شمال سوريا في معسكرات التدريب التابعة للدولة الإسلامية على استخدام السلاح، تنفيذ أساليب القتل الفظيعة، والأيديولوجية المتطرفة والاستغلالية، التي تتجاهل مئات السنين من الجدل الديني المركّب. إن التفكير السطحي، عدم وجود شكوك والدافع الطبيعي لتقليد الشخصيات التي تلعب دورا، تنشئ  جميعها حالة مريحة بالنسبة لتلك الجهة الخارجية، كتنظيمات الجهاد المختلفة، للتلاعب بعقول المراهقين من أجل أهدافها. يكفي أن نلاحظ الموارد الكثيرة التي تخصصها تلك التنظيمات مثل جبهة النصرة، أحرار الشام وحماس للدعوة ورعاية الأطفال، سواء من خلال الدروس الدينية أو المعدات أو الهدايا، من أجل التعلم بشكل صحيح أهمية الموضوع في نظرهم على المدى البعيد.

هناك تفسير آخر تم تقديمه في الدراسة حول نموّ الأفكار المتطرفة في أوساط الأطفال والمراهقين وهو عدم وجود تعليم كافٍ. يعتمد هذا التفسير بطبيعة الحال على الحالة المحزنة لنظم التعليم الفاشلة في دول مثل اليمن، العراق، أفغانستان وغيرها. إنّ الجودة المنخفضة للمعلّمين، المنشآت المفكّكة وبرامج التدريس التي لا تركّز بما فيه الكفاية حول تعقيد التاريخ أو على وفرة المواد الواسعة المتاحة لصالح الفقهاء، تدلّ أكثر من كل شيء على الهاوية العميقة التي يتم استغلالها من قبل تلك الجهات المتطرفة وأصحاب المصالح. ولكن، كالعديد من التفسيرات الأخرى، فلا يوجد في هذا الحلّ تفسيرا شاملا لظاهرة التطرّف الديني. وأكثر من ذلك، فإنّ أكبر المطلوبَيْن اليوم، وهم رمزان أصبحا شخصيتان مفتاحيتان في المعسكر الجهادي العالميّ - زعيم القاعدة أيمن الظواهري وزعيم "الدولة الإسلامية" أبو بكر البغدادي - هما شخصان ذوا ألقاب جامعية. أيضا على المستوى الأدنى مثل المقاتلين والنشطاء التابعين لتنظيمات مثل حماس، الدولة الإسلامية وحزب الله يمكننا أن نعثر على مهندسين، أطباء وفنيّين. فالتعليم إذا كان الأمر كذلك - هو أيضا لا يضمن الاعتدال الأيديولوجي.

هناك عامل آخر وربما هو الأكثر تأثيرا من الجميع، وهو التربية في البيت. إنّ عملية النموّ وبلورة الشخصية هي عملية معقّدة وحساسة، تنتهي غالبا بعد سنّ البلوغ. على مرّ السنين، فإنّ الأشخاص الأكثر قربا لأولئك الأطفال والمراهقين هم أولا الوالدان وأفراد الأسرة. يمكن للأطفال، الذين ينشأون على غرار آبائهم، أن يتعلّموا في ظلّ الأيدي الأمهر للمعلّمين الأجانب، وأن يُنعم عليهم بأصدقاء مسؤولين ومتسامحين، ولكن النموذج الشخصي من قبل الأهل يكون عادة العامل الأهم في تشكيل شخصية الأطفال. إنّ الشاب لا يكون دائما على وعي بالآثار الكاملة لأفعاله، بهشاشة الحياة والمعضلات الكاملة فيما يتعلق بالخير والشرّ. بكلمات أبسط: لا يعلم طريقًا آخر. ليس مشهدا نادرا أن يتعاون الإخوة الشباب في عمليات تُعرّف على لسانهم كجهاد مثل الأخوين تشرنييف المسؤولين عن عملية ماراثون بوستون، أو الأخوين مثانة البريطانيّين اللذين يعملان كمقاتلين ومروّجين في صفوف الدولة الإسلامية.

هناك أسباب عديدة ومتنوّعة حول لماذا ينضمّ طفل صغير لتنظيمات الجهاد، والتي ينفّذ فيها أعمال عنف وقتل عديدة. يساهم التحريض الديني، التعليم الفاسد في البيت والخارج وظروف الحياة القاسية، في تطرّف الأطفال الأبرياء. في حين أنّ الإنسان البالغ يكون على وعي بالآثار الخطيرة لأفعاله، فليس الأمر مماثلا بالنسبة للمراهق المتحمّس في بداية طريقه في صفوف الجهاد. إنّ مجمل عوامل التطرّف لدى الأطفال والتي تمت الإشارة إليها أعلاه، هي عوامل مشتركة لمناطق القتال المختلفة في أيامنا في الشرق الأوسط وأفريقيا، والتي تنشط فيها التنظيمات الجهادية. إنّ انهيار التسويات السياسية في الشرق الأوسط، ودخول التنظيمات المتطرفة إلى الفراغ الذي نشأ، فاقم من الظاهرة القاسية من الاستخدام الخبيث للأطفال أثناء الحرب. يبدو أنّ محاولة مواجهة هذه العوامل، إلى جانب إيجاد حلّ سياسي للصراعات المختلفة، سيساهم في اجتثاث الجذور التي تغذّي التنظيمات الجهادية المستقبلية.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع "الشرق الأدنى".