السكان المدنيون هم ضحية الحروب غالبا. وهم الجهة الأضعف في كل الصراع، الواقعة تحت رحمة المقاتلين المتدنية. وقد قُتل بعضهم، ونزح بعضهم الآخر من منزله وأصبح لاجئا لا يملك شيئا، ولكن بعضهم مجنّد قسرا في الجيوش، المليشيات، والعصابات. يشكل الأطفال جزءا من هذا التجنيد.

ظاهرة الأطفال الجنود ليست جديدة. طوال التاريخ البشري تم تجنيد الأطفال في وظائف تدعم القتال بل وفي القتال نفسه. في الحرب العالمية الثانية جنّد النازيون عشرات آلاف الأطفال في إطار "الشبيبة الهتلرية"، وكانوا جزءا كبيرا من المدافعين عن برلين، ومن قتلاها عام 1945. ومع تأسيس الأمم المتحدة تم التوقيع على عدة معاهدات تحظر استخدام الجنود الأطفال تحت سنّ الخامسة عشرة.

في العقود الأخيرة اختُطف عشرات آلاف الأطفال وضُموا إلى المليشيات في مناطق الصراع في القارة الإفريقية. تعرّض الغرب إلى هذه الظاهرة في فيلم "الألماس الدموي". جنّدت منظمة اليونيسيف، المسؤولة عن رفاه الأطفال في مناطق الحرب، الرأي العام العالمي ونجحت في تقليص هذه الظاهرة تقليصا كبيرا وفي إطلاق سراح عشرات آلاف الأطفال الجنود في إفريقيا.

أعاد الاضطراب الإقليمي في الشرق الأوسط والأزمات الصعبة في دول مثل سوريا، العراق، واليمن من جديد ظاهرة الأطفال الجنود إلى الشرق الأوسط. في اليمن، يظهر الأطفال في سنّ 10-11 وهم مسلّحون بالكلاشينكوفات، بل وهناك من يدّعي أنّ ثلث مقاتلي الدولة هم أطفال في سنّ 14-15. في مناطق خاضعة لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق يجتاز الأطفال تدريبات عسكرية كمقاتلين، انتحاريين، وقاطعي الرؤوس. وتجنّد الكتائب المقاتلة في ليبيا، بل تختطف أحيانا، الأطفال وتحوّلهم إلى مقاتلين في ميليشياتها. منذ شهر تشرين الأول عام 2015 نفّذ عشرات الأطفال من البنين والبنات الفلسطينيين، وبعضهم تحت سنّ 15، عمليات إرهابية ضدّ اليهود، بل وكانوا يعلمون بأنّهم سيدفعون حياتهم ثمنا لذلك.

هناك من يدعي أنّ ظاهرة الأطفال الجنود، الأطفال الإرهابيين، مفهومة في مجتمع تقليدي - ذكوري مثل المجتمع العربي الإسلامي، والذي يعتبر سنّ 13 هو سنّ البلوغ الجنسي، الديني، والاجتماعي ولذلك فهو لا يعتبر هؤلاء الشبيبة أطفالا وإنما بالغين. ولكن هذا الادعاء بعيد عن الواقع. إنّ عمليات الحداثة في الشرق الأوسط مستمرّة منذ نحو مائتي عام، وخلالها يوافق أيضًا المجتمع التقليدي - الديني الافتراض الذي ينظر إلى الأطفال في سنّ 13 أنهم ليسوا بالغين. وكدليل على ذلك فقد تم تغيير سنّ الزواج القانوني ليصبح بين 16 إلى 18 عاما. وسنّ التجنيد في معظم الدول العربيّة هو 18 عاما أيضا.

هناك تفسير أكثر إقناعا لظاهرة الأطفال الجنود في الشرق الأوسط وهو الإضرار الشديد في المجتمع الذكوري في العالم العربي. تقوّضت صلاحية الإطار الأسري الذي حمى أبناءه وبناته لأسباب عديدة، ومن بينها توفّر التعليم العالي والانفتاح على البيئة العالمية وتدفّق المعلومات في مواقع التواصل الاجتماعي. ولكن أكثر من كل شيء فقد ثار الجيل الشاب على خضوع أهله للأنظمة الاستبدادية، وفي نهاية المطاف قام بإسقاطها - حتى ولو على حساب تدمير النسيج الاجتماعي والاقتصادي لبعض هذه الدول.

إنّ سلطة العائلة الذكورية وصلتها بما يحدث كانت من بين ضحايا الثورات العربية. لقد تفككت الأطر الأسرية التي وفرت شبكة آمنة لأعضائها وتركت خلفها حرية ولكن أيضًا مخاطر كبيرة. إحداها هي قدرة التنظيمات الإرهابية على تجنيد الأطفال الجنود، إراديا أو قسرا. وهناك خطر آخر وهو شعور التحرّر لدى الشبان الصغار جدا من عبء صلاحية الأهل ورعايتهم. وهكذا فهم مستعدّون للمخاطرة بحياتهم بل والتضحية بها، حتى لو كان الثمن هو تعريض أسرهم لخطر كبير.

نُشر هذا المقال لأول مرة في موقع منتدى التفكير الإقليمي