لقد أصبح مواطني سوريا بعد سنوات من الحياة في ظل القصف والحصار في المناطق الخاضعة لسيطرة الثوار يطوّرون طرق بقاء إبداعية. وذلك عقب غياب القدرة على الهرب من البلاد وغياب استعداد المجتمع الدولي لحمايتهم. نجح المواطنون المحاصرون من قبل نظام الأسد وحلفائه، الذين يتم قصفهم باستمرار من قبل قوات النظام والجيش السوري، في تأمين أنفسهم، وإنْ بشكل محدود، من القصف، ويواجهون بدهائهم الكبير النقص في الأغذية، الأدوية، الوقود، والاحتياجات الأساسية الأخرى.

فرّ ملايين السوريين من تهديد القصف إلى مناطق أكثر أمنا خارج سوريا، إلى مخيمات النازحين على الحدود، أو إلى مناطق خاضعة لسيطرة النظام أو الأكراد، والتي لا يقصفها النظام. يقلص أولئك الذين بقوا في منازلهم، بسبب عدم وجود بديل مالي أو غير ذلك، في المناطق الخاضعة لسيطرة الثوار، من الخطر الذي يهدد حياتهم بالنزول إلى الأقبية. بما أن نظام الأسد وروسيا يضربان بشكل ممنهج المؤسسات الحيوية مثل المستشفيات، المدارس، والمساحات العامة مثل حدائق اللعب، لا يكتفي السوريون بالتحصينات، الخنادق أو الكهوف كمساكن مؤقتة تحميهم من القصف، لذلك بنوا مدارس، مستشفيات، حدائق ألعاب، ومسارح تحت الأرض.

مدخل مستشفى في إدلب (صورة بإذن موقع منتدى التفكير الإقليمي)

مدخل مستشفى في إدلب (صورة بإذن موقع منتدى التفكير الإقليمي)

يهرب السوريون الذين ليس لديهم قبو في منزلهم أو لم يحفروا حصينا، عند القصف، إلى الطابق الأول من البناية، ويبتعدون عن التجمعات السكانية التي يميل النظام إلى مهاجمتها. يتجوّل الأطفال بمجموعات صغيرة كي لا يشكّلوا هدفا لسلاح الجو المهاجم، وفي ساعات المساء يسافرون من دون أضواء في السيارات أو على ظهر الخيل. تم تقديم حفلات الزفاف إلى ساعات الظهر حتى يتمكّن الضيوف من العودة إلى بيوتهم قبل حلول الظلام.

ومع ذلك، توفر أنظمة الإنذار حماية من القصف العشوائي الذي تقوم به طائرات ومروحيات سورية من مدى قريب، ولكن ليس من الصواريخ والقصف الفتاك الذين يقوم به سلاح الجوّ الروسي. إذا نجحت البنايات متعددة الطوابق في الصمود أمام القصف السوري، ستُدمّر من أساساتها في القصف الروسي.

قبو تحت بيت عائلة في حمأة (صورة بإذن موقع منتدى التفكير الإقليمي)

قبو تحت بيت عائلة في حمأة (صورة بإذن موقع منتدى التفكير الإقليمي)

مدّ نشطاء محليون في مناطق الثوار شبكة من نحو 80 مركز مراقبة للتبليغ عن رؤية طائرات هجومية لسلاح الجو السوري والروسي. يتواجد المراقبون في وقت قريب من ساعات الطيران أو يعملون على مراقبة شبكات الاتصال بين الطيارين. من أجل ذلك فقد أتقنوا أيضًا المصطلحات ذات الصلة باللغة الروسية. اقتنى المواطنون الذين يعيشون في تلك المناطق أجهزة اتصال تمكّنهم من الاستماع إلى الشبكات والاستعداد للقصف في وقت سابق (في هذا الرابط يمكن الاستماع إلى بثّ حي للشبكات التي تغطي مناطق حلب، إدلب، وحماة). فيما عدا أجهزة الاتصال، يتم نقل الإنذارات أحيانا بواسطة أنظمة الإنذار المحلية، مجموعات الواتس آب، وإذاعات الراديو.

يعيش أكثر من مليون سوري تحت الحصار؛ نحو 85% منهم تحت حصار نظام الأسد. إنهم يضطرّون إلى مواجهة ليس فقط القصف وإنما أيضًا الجوع والحصار. في الكثير من المناطق المحاصَرة يستخدم المواطنون أسطح المنازل، المناطق المفتوحة، والمزابل ويحوّلونها إلى مساحات لزراعة المحاصيل الغذائية. بالإضافة إلى ذلك، تحفر مجموعات الثوار في مناطق معينة، وخصوصا في ضواحي دمشق المدنية، أنفاقا تسمح لهم بتهريب الأغذية والمؤون إلى داخل المناطق المحاصَرة. يستغلّ التجار، المدنيّون والثوار فساد القوات المحاصِرة للمنطقة ويعملون على رشوتها.

يعاني جميع مواطني سوريا من نقص الكهرباء والوقود، ولكن ذلك ملحوظ بشكل خاص في المناطق المحاصَرة. فقد طوّر المواطنون المحليّون هناك طرقا لإنتاج الكهرباء من ألواح شمسية بدائية الصنع، دوران دواسات دراجة متّصلة ببطارية، منشآت غاز حيوي تعمل على روث الحيوانات، بلاستيك مستعمَل يوفّر وقودا للمولّدات وغيرها. تستخدم الكوادر الطبية شرابا ضدّ السعال كمصدر للسكر للأطفال الذين يتضوّرون جوعا ويتم تسريب محاليل ماء مالح بدائية الصنع إلى أوردة المواطنين الذين على حافة الموت من قلّة الأملاح.

نظام كهرباء منزلي يرتكز على بطاريات سيارات في قرية قرب حلب (صورة بإذن موقع منتدى التفكير الإقليمي)

نظام كهرباء منزلي يرتكز على بطاريات سيارات في قرية قرب حلب (صورة بإذن موقع منتدى التفكير الإقليمي)

تدل استراتيجيات البقاء هذه على يأس مواطني سوريا الكبير ولكن أيضًا على إبداعهم في مواجهة الواقع الوحشي. تحظر المواثيق الدولية قصف التجمعات السكانية والمؤسسات الحيوية، ولكن حصار المدنيين أو استخدام السلاح الكيميائي هي أمور ليست ذات قيمة في نظر نظام الأسد وبوتين. على ضوء عجز المجتمع الدولي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، يطوّر مواطنو سوريا استراتيجيات ذاتية من أجل البقاء على قيد الحياة.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي.