تلقّت القوات الموالية لنظام الأسد في الشهرين الأخيرين سلسلة من الهزائم الكبيرة في جميع أنحاء سوريا. هذه الهزائم ليست عرضية وهي نابعة من تغيير كبير في توازن القوى في أرض المعركة في سوريا.

منذ شهر آذار عام 2015 تم طرد النظام من جميع أراضي محافظة إدلب شمال - غرب سوريا تقريبا، بعد أن سقطت عاصمة المحافظة ومعاقل أخرى للنظام تحت سيطرة تحالف الثوار الإسلاميين والسلفيين (لاحقا سيطر الثوار أيضًا على عدد من القرى في محافظة حماة، جنوب إدلب).

كانت هزائم النظام العسكرية مهينة بشكل خاصّ على ضوء حقيقة أن تحالف الثوار، "جيش الفتح"، أعلن مسبقا عن كل معركة ومكّن بذلك النظام من توجيه تعزيزات للمكان. ورغم ذلك، فقد هُزم جيش الأسد أمامهم بسرعة فائقة مرة تلو أخرى، وشوهد الكثير من الجنود في مقاطع الفيديو المصوّرة من ساحة المعركة وهم يفرّون دون القتال إطلاقا.

جيش الفتح السوري

جيش الفتح السوري

وفي جنوب سوريا احتلّ تحالف من الثوار العلمانيين، الإسلاميين والسلفيين مدينة بصرى الشام، بعد أن كانت بمثابة مركز تدريبات لحزب الله وميليشيات شيعية من العراق وأفغانستان بقيادة الحرس الثوري الإيراني. سيطر الثوار على المعبر الحدودي الأخير بين سوريا والأردن والذي كان قد بقي تحت سيطرة نظام الأسد. في التاسع من حزيران، وفي معركة استمرت لستّ ساعات، سيطر تحالف من ألفي ثائر علماني وإسلامي على قاعدة لواء المدرّعات 52 في الجيش السوري، إحدى قواعد الجيش الأكبر في البلاد. وتدلّ السيطرة السريعة جدا على قاعدة بمساحة 12,000 دونم بأنّ الكثير من الجنود لم يقاتلوا في اللحظة الحاسمة.

دبابة تابعة للجيش السوري تفرّ من قاعدة اللواء 52 شرقي محافظة درعا، جنوب سوريا

وقد استطاعت قوات داعش في وسط البلاد السيطرة على عدة قرى وبلدات في محافظتي حماة وحمص، وعلى المعبر الحدودي الأخير بين سوريا والعراق، والذي كان تحت سيطرة النظام وأيضا على مدينة تدمر. تقع المدينة في منطقة صحراوية في عمق سوريا وهي محور رئيسي لحركة المرور يضمن وصولا مريحا لغرب وشرق سوريا. قطعت السيطرة على تدمر محور الإمداد البرّي للنظام إلى دير الزور شرقي سوريا.

وتنبع الهزائم التي تكبّدها النظام على الأرض من عدّة أسباب. بداية، اضطرّ جيش الأسد، ربّما للمرة الأولى، إلى مواجهة قوتين في آن واحد: داعش والثوار السوريون. وتحرص داعش، التي هُزمت في المعركة مع الأكراد في العراق وشمال سوريا، على تقديم نجاحات جديدة وتحسين صورتها في أوساط مؤيّديها المحتملين. في أول سنة ونصف من وجود التنظيم جرى بينه وبين نظام الأسد اتفاق عدم اعتداء غير رسمي، وركّز كلا الطرفين على محاربة قوات الثوار السوريين الذين اعتبروا من قبل كلا الطرفين التهديد الأيديولوجي الأهم. وواجه هذا السلوك من قبل داعش انتقادات واسعة في جميع أنحاء سوريا، وهجماته الحالية على الجيش تحسّن من صورته وتمنحه إمكانية تعويض إخفاقاته في أماكن أخرى.

ثانيًا، أصبح الثوار في شمال غرب سوريا قوة أكثر فاعلية بسبب تحسُّن التنسيق الداخلي في صفوفهم وبينهم وبين الدول الداعمة لهم. وذلك بفضل إقامة تحالف "جيش الفتح" الذي يضمّ في داخله مجموعات إسلامية، والمهيمنة من بينها هي أحرار الشام السلفية وجبهة النصرة، الذراع العسكري للقاعدة في سوريا. وهناك مجموعات من الثوار المعتدلين التي تعمل تحت مظلّة "الجيش السوري الحر" والتي لا تشارك في "جيش الفتح"، ولكنها تشاركه في العمليات في ساحة المعركة. إن استعداد جبهة النصرة للتعاون مع الثوار العلمانيين نابع من أوامر جديدة لزعيم القاعدة، أيمن الظواهري، الذي أمر الفرع السوري بالعمل في إطار الثورة السورية.

وقد ازداد الاستعداد للتعاون أيضًا من قبل الجانب الآخر. في الماضي، رفض النظام السعودي تقديم مساعدات عسكرية ومالية للمجموعات التي تعاونت مع مجموعات إسلامية تنتمي إلى الإخوان المسلمين أو مجموعات جهادية مثل جبهة النصرة. ولكن الملك السعودي الجديد، سلمان، مصمّر أكثر من سابقه على إسقاط الأسد، الذي يعتبر من قبله تابعًا لإيران. في اجتماع عُقد في الرياض في بداية آذار أكّد السعوديون للقطريين والأتراك، الداعمين الرئيسيين للمجموعات السلفية والإسلامية في سوريا، بتقديم المساعدات للثوار في سوريا مقابل التنسيق الثلاثي وإلغاء مسارات التمويل المنفصلة للمجموعات المختلفة. ونتيجة للتغيّر في السياسة السعودية تم غمر الشمال السوري بأسلحة سعودية. أصبحت صواريخ تاو المضادة للدبابات، والتي شُوهدت في أحيان نادرة في سوريا، أكثر شيوعا حتى أنّ الثوار يستخدمونها أيضًا ضدّ أهداف أخرى والتي هي ليست دبابات.

ثالثًا، يعاني النظام من ضعف كبير لا يستطيع التغلّب عليه، ولا حتى بالمساعدات الإيرانية السخية. يتزايد هذا الضعف مع الوقت ويصعّب على النظام تنفيذ استراتيجيته. المشكلة الأخطر لدى جيش الأسد هي النقص في القوة البشرية، والتي تفاقمت مع الوقت بسبب فقدان أراض واسعة أمام الثوار والتي تسكنها قوة بشرية محتملة، الانشقاق وتغيّب معارضي النظام عن صفوف الجيش، ومقتل وإصابة الجنود. وازداد سوء مشكلة القوة البشرية في السنة الأخيرة في أعقاب التغيّب الواسع في أوساط القاعدة المؤيّدة للنظام، من أبناء الأقليّات، الذين لا يرغبون ببساطة بالموت من أجل الأسد. وتجتاح الجنود أيضًا معنويات منهارة بسبب فترات الخدمة الطويلة، سوء التغذية والهزائم المتراكمة في ساحة المعركة. اتّضح أن موقف النظام من الفرار من ساحة المعركة لا يردعهم بشكل كبير.

لا تكفي محاولات نظام الأسد وإيران بالتعويض عن النقص في القوة البشرية من خلال تجنيد عناصر الميليشيات المحلية والمقاتلين الشيعة الأجانب من لبنان، العراق، أفغانستان، باكستان وإيران، من أجل ضمان بقاء النظام. دون إضافة عشرات آلاف المقاتلين المدرّبين إلى ساحة المعركة، سيجد الأسد وحلفاؤه صعوبة في الاستمرار بالصمود.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع ‏Can Think‏