في كل ما يتعلّق بالنضال العالمي من أجل الفلسطينيين، يبدو أنّ هناك فجوة كبيرة جدا بين ما هو مثالي وبين ما هو واقعي. يقاطع نشطاء أوروبيون من البيض، وغالبا، لم تطأ أقدامهن أبدا أرض فلسطين، المنتجات الإسرائيلية، يتظاهرون، يرفعون اللافتات، ويلقون خطابات ضدّ الاحتلال.

إن إخلاصهم جدير بالتقدير، وأنا أصدّقهم بأنّهم يريدون حقّا مصلحة الفلسطينيين. ولكن في بعض الأحيان يكون نضالهم أعمى، ومعارضتهم هي من أجل إبداء المعارضة فحسب، من دون النظر إلى الأمور بعمق، ومن دون التفكير جيدا.

وهذا ما جرى بالنسبة لمصنع شركة "صودا ستريم". من الصعب أن ننسى العاصفة التي ثارت حول الممثلة سكارليت جوهانسون عندما وافقت على أن تكون مقدّمة حملات دعائية للشركة. فطالبت حركة BDS وحركات أخرى مقاطعتها ومارسوا ضدّها ضغوطا مكثّفة طالبين منها التخلي عن الحملة الدعائية، بسبب حقيقة أنّ مصانع الشركة قائمة في المنطقة الصناعية في المستوطنة الإسرائيلية معليه أدوميم في الضفة الغربية. ولكن، تمسّكت جوهانسون بخيارها، وبقيت تروج في حملة دعائية لصالح الشركة معلنة أنّها تدعم توطيد العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين.

في تشرين الأول عام 2015 أغلقت الشركة، التي حقّقت أرباحا بمئات الملايين حول العالم، مصانعها في المستوطنة ونقلتها إلى النقب. اعتبرت حركة BDS ذلك نجاحا كبيرا لها، ولكن الشركة ادّعت أنّ هذا ليس هو السبب للانتقال إلى الجنوب. وقالت أيضًا إنّ المتضرّرين الأساسيين من هذا الإجراء هم تحديدًا الفلسطينيون: بسبب الانتقال إلى النقب لم يستطع معظم العمال الفلسطينيين الذين عملوا في المصنع بالضفة الوصول إلى العمل، حيث إنّ الدخول إلى الأراضي الإسرائيلية يتطلّب الحصول على تصريح أمني.

قال المدير العامّ للشركة حينذاك إنّه "إذا كانت الحركة تهتمّ حقّا بالشعب الفلسطيني، فعليها تشجيع نشاط شركة "صودا ستريم" في الضفة الغربية". وقال علي جفار، مدير ورديّة من إحدى قرى الضفة الغربية والذي عمل في "صودا ستريم"  نحو عامين: "لقد أخطأ كل من رغب في إغلاق المصنع. لم تُأخذ العائلات بالحسبان".

وقد هدّدت الشركة أنّه إذا لم يحصل العاملون الفلسطينيون على تصاريح فسوف يُعطل عمل المصنع، ولكن من بين 600 عامل في المصنع، فإنّ 74 منهم فقط حصلوا على تصاريح عمل منذ تشرين الأول وحتى نهاية شباط. انتهت أمس صلاحية تصاريح العمل، حيث لم يبقَ اليوم أي عامل فلسطيني في مصانع الشركة.

في نهاية المطاف، وفي أعقاب نشاط حركة BDS، بقيت 600 أسرة فلسطينية، الآلاف من الأفراد، من دون مصدر رزق. وكان قد وفًر المسؤولون في المصنع في الضفة للعمّال الفلسطينيين ظروف عمل وأجر جيّدين بشكل خاصّ مقارنة بكل عمل آخر كان بإمكانهم الحصول عليه في الضفة الغربية.

أصبح المصنع، الذي كان بالنسبة للكثير من الإسرائيليين والفلسطينيين رمزًا للتعايش، للحياة الطبيعية في حياة الجوار اليومية، لكسب الرزق بكرامة، مجرّد مصنع آخر. لقد انتصرت المقاطعة والكراهية على التقارب والإنسانية. كما يبدو فإنّ الآلاف، من أفراد أسر العمّال الذين فقدوا مصدر رزقهم بسبب حركة BDS، ليسوا متأكدين جدّا من أنّ الحركة التي تنشط في أوروبا تعمل من أجل مصلحتهم حقّا.