الحكومة الإسرائيلية ممثلة برئيسها، بنيامين نتنياهو، تتهم الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بالتحريض على العنف. أبو مازن لم يستعمل بالأمس عبارات واضحة تدعو إلى العنف. لكن في لغة الشيفرات كان واضحا أن رئيس السلطة، الذي وقف ضد عسكرة الانتفاضة الأولى منذ الأيام الأولى، والذي صرّح مرارا وتكرارا أنه لا يؤيد انتفاضة ثالثة، والذي وصف صواريخ غزة بالعبثية- بدا واضحا أنه يحاول الاستفادة من حالة المواجهة المحدودة الحالية على خطوط التماس بين الشباب الفلسطيني وبين الجيش الاسرائيلي.

الرجل الذي يجمع قادة العالم أنه لا يؤمن بالعنف وأن التهم المختلفة التي يوجهها له قادة إسرائيل لا تمت للواقع بصلة، يحاول، وربما للمرة الأولى منذ الانتفاضة الأولى الاستثمار في حالة المواجهة الحالية، خاصة وأن هذه الحالة في الضفة الغربية مدعومة بتصعيد أمني في القدس الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، والذي لا يمكن للطرف الإسرائيلي أن يحمل السلطة الفلسطينية المسؤولية عنه.

قرر أبو مازن أن يسير على حبل رفيع. فمن ناحية هو يؤيد الهبة الجماهيرية أو كما وصفها في خطابه "المواجهة الشعبية"، لكنه يسعى جاهدا عبر أجهزته الأمنية، أن لا تخرج هذه الحالة عن نطاق السيطرة وأن لا تلبس ملابس مسلحة، وهذا ما يفسر الاعتقالات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية الفلسطينية لكل من يشتبه بتخطيطه القيام بعمليات مسلحة ضد أهداف إسرائيلية.

ويأمل الرئيس الفلسطيني أن تبقى حالة المقاومة الشعبية الحالية على وتيرتها الحالية تزعزع صورة نتنياهو ك "زعيم الأمن" في نظر الجمهور الإسرائيلي، وتزعزع فكرة إمكانية استمرار الحياة الطبيعية في إسرائيل في ظل استمرار الاحتلال، وربما تحرك أطرافا دولية لطرح مبادرة سياسية حقيقية تخرج المعادلة الإسرائيلية الحالية، من جمودها الذي أصبح يشكل تهديدا استراتيجيا على ما تبقى من فكرة الدولتين.

ففي لقائه قبل أيام مع أمناء سر حركة فتح، اعترف الرئيس الفلسطيني أن الطرف الفلسطيني يصطدم بتعنت إسرائيلي يمنع منه تسجيل أي إنجاز سياسي وبالتالي يضعف القيادة الفلسطينية. أبو مازن اعترف أنه حتى الآن لا يوجد حراك دولي يهدف إلى جباية ثمن من هذه الحكومة جراء مواقفها المعارضة للسلام كما يراه الفلسطينيون. وقال أبو مازن في هذا اللقاء إن الهبة الحالية قد تكون ورقة تساعد الفلسطينيين وأصدقاءهم على تحريك الوضع سياسيا.

في هذا السياق علينا أن نقرأ خطاب الرئيس وتحياته المتكررة في الخطاب لمن يقودون الكفاح. أقاليم فتح في غالبية المواقع تدعو إلى دعم هذه الهبة، الأجهزة الأمنة تقف على مسافة منها ولا تمنعها. هي تتدخل فقط حينما تشعر أن حادثا ما، في موقع ما، قد يتطور بشكل قد يجر الأمور إلى تصعيد أكبر لا تحد عقباه وفق معايير القيادة الحالية.

من ناحية ثانية الأجهزة الأمنية الفلسطينية تقود حملة كبيرة لضمان عدم وقوع عمليات ولا تدع نداءات حماس المطالبة بإطلاق يد المقاومة في الضفة الغربية، إيقانا منها أن مثل هذا التطور يخدم اليمين الاسرائيلي ويخدم حماس ولا يخدم رؤية فتح ومنظمة التحرير.

في سنه المتأخر، وبعد سنوات من وقوفه ضد العنف واعتبار السياسة والدبلوماسية الطرق الوحيدة للخروج من الوضع الراهن مع إسرائيل، يجد الرئيس الفلسطيني نفسه مضطرا للتعاطي إيجابيا مع هبة جماهيرية يستعمل فيها عنف محدود.

السؤال هل ستقف الأمور عند هذا الحد إذا ما لم يتحرك المجتمع الدولي لإعادة الأطراف إلى عملية تفاوضية حقيقية ومحدودة المدة؟ وزير الخارجية الأمريكي قادم، وكذلك اجتماع للمجلس الوطني، ومؤتمر لحركة فتح، أيضا قادمون. والسؤال هل مبادرة جديدة لكيري ستساعد الرئيس عباس على العودة إلى مسار الدبلوماسية أم أنه سيجد نفسه في موقف المطالب من الفصائل ومن حركة فتح بتطوير آليات لمقاومة الشعبية إلى مدى هو لا يرغب فيه؟