مع وصوله من واشنطن الباردة، نظّم رجال أبي مازن مظاهرة دعم للرئيس. استَغلّ عباس الحدث، والذي في الحقيقة ملائم للاتحاد السوفيتي في سنوات السبعين في القرن الماضي أكثر منه للقرن الحادي والعشرين، لإيصال مغزى للجمهور الفلسطيني، للخصوم والمؤيدين على حد سواء.

استغل أبو مازن الأجواء الحميمة والداعمة للجمهور الذي تجمّع "بعفوية" من أجل أن يدّعي أنه قد مورست ضغوطات شديدة وكبيرة عليه في واشنطن، ولكنّه صمد في وجهها كلهاـ ولم يتنازل عن أيٍّ من الثوابت الفلسطينية.

يبدو أن إدارة أبي مازن ومقرّبيه في قيادة فتح تدل أكثر من غيرها على الخصومات الداخلية الصعبة التي يواجهونها. إن قلق عباس من محمد دحلان، يفوق قلقه من حماس، فدحلان يطارده تحت أنفه رغم بعده الجغرافي، ويبذل كلّ جهد في زيادة المؤيدين له في قلب القيادة الميدانية لفتح، يومًا بعد يوم.

هذا هو السبب الذي من أجله يُخرج زعماء فتح الجماهير الغفيرة للشوارع مستعرضين قوتهم أمام إسرائيل، وبالذات في قضية الأسرى، التي أُتفق عليها بين الجانبين.

يرسل أبو مازن مقرّبيه، خاصة شعث وعريقات، ليبثوا التهديد والوعيد لإسرائيل وليعلنوا مرة بعد أخرى أنه لا جدوى من المفاوضات، ويقف الجانب الفلسطيني على شفا انهيار والبديل هو خطوات من جانب واحد، مثل تجديد التوجه للأمم المتحدة.

ولكن يُطرح السؤال، فيما عدا استعراضَ القوى، ما الذي يعرضه أبو مازن لجمهور مؤيديه؟ في غياب اتفاق مع إسرائيل، أو على الأقل الخيار في إقامة دولة فلسطينية ومستقبل أفضل، ما يميزه عن حماس؟

أعلن أبو مازن، على النقيض من حماس، مرة بعد مرة إنه لا جدوى من انتفاضة مسلحة أو أي عنف كان، خاصة بسبب الفارق الشاسع بين القوة العسكرية للفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين. والسؤال هو كيف ستقام الدولة الفلسطينية؟ أي مستقبل سياسي واقتصادي ينتظر أولئك الشباب الذي أنهَوُا الثانوية أو الجامعة ولم يُوفّقوا في إيجاد عمل لهم؟ هل يمنع خوفُ عباس من دحلان، حماس، أو كلاهما معاـ من إظهار الشجاعة ومنح جهود جون كيري للسلام فرصة حقيقية؟

لا ريب أن الجانب الإسرائيلي ليس مبرّأ من كلِّ ذنبٍ لما يبدو فشلا كليًّا لمبادرة السلام الأمريكية، لكن من الجدير بالفلسطينيين أن يسألوا أنفسهم هل استنفذ رئيسهم كل احتمال ممكن ليؤمّن لهم مستقبلا أفضل.