في الأشهر الأخيرة، أخبرناكم عن موسيقيين إسرائيليّين يغنّون بالعبرانيّة، العربيّة، وحتّى الفرنسيّة. عرضنا لكم فنّانين مختصّين بالموسيقى المتوسطية، ويقدّرون جدًّا أساطير الغناء أمثال أم كلثوم وفريد الأطرش. أطلعناكم على مواهب شابّة ومثيرة تسعى إلى التوجّه إلى جمهور دُولي وتدمج الإنجليزية في أغانيها، مثل ايستر رضا، وبالكان بيت بوكس. ولكننا نريد الآن التحدّث عن آساف أفيدان - الظاهرة الفريدة والمغنّي المثير للفضول الذي لا مثيل له، الذي لم يحصد النجاح في إسرائيل فحسب، بل في أرجاء العالم كلّه أيضًا. صحيح، إنه يُغنّي بالإنجليزية حصرًا!

تمكّن أفيدان (33 عامًا)، الموهوب صوتًا قويًّا يصعب تجاهله، وعي الناس في السنوات الأخيرة فقط، رغم أنّ خلفه أكثر من عقد من العمل الموسيقيّ. لمزيد من الدقة، نذكر أنّ صوته كان معروفًا للجمهور قبل ذلك، لأنه يدبلج شخصيات كرتونية في برامج أطفال منذ ما يناهز 20 عامًا. عدا الدبلجة والغناء، الكتابة والتلحين، درس أيضًا إعداد الرسوم المتحرّكة في مدرسة هامّة للفنون في القُدس. لا شكّ أنكم أدركتُم أنه فنان متعدّد المجالات ومُثير.

استمعوا إلى أغنية Everybody من ألبومه المصغَّر الأول - تستمرّ الغيتارات المرتعشة حتّى الاسترخاء في مرافقتها:

كانت جذور الاهتمام بالموسيقى كامنة في أفيدان منذ طفولته، حين عاش 4 سنوات مع أسرته في جامايكا، وحظي بالتعرّف عن كثب إلى تشكّل الريغي، وهو نوع من الدمج بين موسيقى الجاز التي أنتجها الإفريقيون - الأمريكيون في جنوب الولايات المتحدة الأمريكية وبين عناصر من الموسيقى الإفريقية التقليدية والأكثر بُطئًا. وكانت النتيجة ألحانًا نابضة لكن مهدّئة، ذات صلة بجوّ الشاطئ الذي نتخيّله حين نفكّر في الدولة الساحلية الكاريبيّة. "نشأتُ في دولة كلّها شواطئ، غابات، وأشخاص رائعون"، روى أفيدان بحنين في مقابلة أُجريت معه قبل 5 سنوات، لكنه أقرّ أنّ العزلة تحديدًا هي ما جعله الموسيقيّ الذي هو عليه، لأنها شقّت داخله آبارًا، لا يزال يواجهها في الكتابة حتّى كبالغ.

شاهِدوا كليب أغنية Weak (ضعيف) من ألبومه الأول The Reckoning. إبداع صادق عن رقّته كفنّان مُبدِع:



بعد عودته من جامايكا، بدأ يظهر اهتمامًا بدراسة السينما والرسوم المتحرّكة. ولكنه دخل المشهد الموسيقيّ بعد إصابته بسرطان الغدد اللمفاوية في سنّ الحادية والعشرين، وتعافيه منه في صراعٍ بُطوليّ. جعلته مواجهة الموت، الذي كان ينتظره على الأبواب، يترك الدراسة، ويركّز على العمل الموسيقيّ. فقد كتب، لحّن، ووزّع أغاني، وحين افترق عن رفيقته وعانى انكسارًا عميقًا في القلب، قرّر استغلال الفراق لبداية جديدة، وأصدر، بمساعدة أصدقائه، ألبومًا صغيرًا باسم "‏Now That You’re Leaving‏" (الآن، حين تفارِقين). بدأ يجوب إسرائيل بطولها وعرضها، يظهر في الحانات، ويرافق نفسه بالغيتارة والهارمونيكا.

رُويدًا رُويدًا، نجح أفيدان - الذي لُقّب لسنواتٍ "جيمي"، لذكرى السنوات التي قضاها في جامايكا - بتجميع مجموعة من العازفين المميّزين حوله، وأنشأ معهم فرقة - آساف أفيدان والموجوز. أصدروا معًا عام 2008 الألبوم الأول، “The Reckoning”‎‏، الذي حظي بنجاحٍ كبير وسط الجمهور الواسع. قورن المغنّي الساحر بالمطربة الأمريكية القديرة، جنيس جوبلين، بفضل صوته العذب، وبدأ بإشعال حفلات كبار المطربين الذين وصلوا إلى إسرائيل، أمثال بوب ديلان.

أصغوا إلى الأغنية التي تحمل اسم باكورة ألبوماته The Reckoning One Day: 



وإليكم "الريمكس" الذي أصدره "دي جي" ألماني قبل نحو عامَين للأغنية، وسجّل - حتّى أيار 2014 - 126 مليون (!!) مشاهدة في YouTube:



تابع أفيدان والموجوز الإنتاج وأطلقوا ألبومَين إضافيَّين، ‏Poor Boy‏ و‏Through The Gale‏، حتّى عام 2011. بقي الأسلوب الموسيقيّ هو هو، ورغم أنّ الألبومات نجحت وأثارت الاهتمام في عالم الموسيقى، شعر أعضاء الفرقة بأنهم استُنفِدوا. توجّه أفيدان إلى الغناء المنفرد، وأصدر في البداية ألبومًا مع إعادة توزيع أغانٍ قديمة له، باسم "Avidan In A Box" (أفيدان في صندوق)، فيما تحلّ غيتارة صوتيّة محلّ الآلات الموسيقية المتنوّعة التي كانت في الأصل.

بالمقابل، بدأ بكتابة موادّ مبتكَرة ومستقلّة، وصدر عام 2012 ألبومه الأول،Different Pulses (نبضات مختلفة). في خطوةٍ هدفت إلى إشهاره لدى الجمهور العالميّ، قرّر آساف الاستثمار في إنتاج كليب خاصّ. فقام بالاتّصال بفانيا هايمان، مخرِج كليبات إسرائيلي لديه عدد كبير من الأفلام الناجحة حول العالم. كانت النتيجة مذهلة، ومنحت الأغنية مسحة خاصّة، إذ تختلط مشاعر المشاهد وتصبح ضبابيّة خلال المشاهدة - فالصّور تتبدّل بإيقاع العزف، المشاهد تصبح أكثر وضوحًا وتُضحي داكنة مع تغيير النغمات في الأغنية، فيما تظهر الآلات الموسيقيّة المسموعة بين الحين والآخَر بين يدَي الأطفال المُصوَّرين في الكليب.

شاهِدوا العمل النموذجي Different Pulses الذي سجّل أكثر من 4 ملايين مُشاهَدة:



لاقى الألبوم نجاحًا كبيرًا في إسرائيل وأوروبا. ففي فرنسا، فاز أفيدان بالألبوم البلاتيني، وفي أرجاء القارّة العجوز، بيع أكثر من 200 ألف نسخة من عمله الفني الأول كفنّان مستقلّ. واستغلّ آساف النجاح وبثّ الإذاعات المختلفة للأغاني، منطلقًا في جولة حفلات في أوروبا، شاهد خلالها نحو مليون شخص أداءَه. أمّا ذروة مجده (حتّى الآن، كما يبدو) فقد وصل إليها حين غنّى في حفل عيد الميلاد الأخير في الفاتيكان، الذي جرى بثّه في جميع محطّات التلفزة في إيطاليا. يصعب توقّع ما يخبّئه المستقبل لفنّان مبارَك بالمواهب مثل هذا. فإذا نجح في الحفاظ على رأسه في المكان الصحيح - كما فعل حتّى الآن رغم المصاعب غير الاعتياديّة التي عاشها - لا سبب لأن يتوقف هنا. فالعالَم مفروش أمامه.

نختتم مع إعادة توزيع متوسطية لأغنية Back To Black لآمي واينهاوس: