مروان البرغوثي بعد انتهاء إضراب الأسرى عن الطعام لا يشبه مروان البرغوثي قبله. تشير التقارير من الجناح رقم 3 في سجن "هداريم" إلى أن من كان يطمح إلى أن يكون وريثا فلسطينيا، أصبح يدفع ثمنا باهظا إزاء تدهور الخطة التي كان من المفترض أن تضعه في صدارة السلطة الفلسطينية بعد أن دفعه أبو مازن والمقربين منه جانبا بعد أن شغل مناصب هامة في فتح، وبعد أن كان من المفترض أن يكون الرئيس الفلسطيني القادم.

الأسرى الفلسطينيون غاضبون بعد الإنجازات القليلة - تكاد تكون معدومة- التي حققها الإضراب (السماح للعائلات بإجراء الزيارة الثانية مُجددا، بتمويل السلطة الفلسطينية هو إنجاز هامشي، حتى أن الأسرى لم يقدموا بعد على تطبيق هذا الإنجاز). انضم خُمس الأسرى الفلسطينيين تقريبا إلى الإضراب عن الطعام بقيادة البرغوثي، في حين آثر الآخرون عدم المشاركة فيه ورفض أسرى حماس المشاركة في الإضراب أيضا معربين عن ذلك بشكل لائق. لقد غامر 700 أسير فقط مع البرغوثي، ليتبين أن مغامرتهم كانت فاشلة. إذ أصبح الأسرى وأبناء عائلاتهم محبطين بحق حيث كانت لديهم توقعات.

صحيح أن قضية حلوى "التورتيت" قد أثارت تضامنا تجاه الأسير في الرأي العام الفلسطيني، إلا أن أصدقاءه في السجن كانوا غاضبين: كيف يُعقل أن يقع البرغوثي في المصيدة الإسرائيلية ثانية، وأن يلحق سمعة سيئة بجميعنا؟

من الواضح أن الإحباط الخارجي يؤثر في البرغوثي وأن البرغوثي نفسه محبط من أعماله كثيرا: فهو يكثر من البقاء في زنزانته، يستحم في أحيان بعيدة، أصبح شعره طويلا جدا، لا يحلق ذقنه، ويشتكي بشكل ثابت من آلام مختلفة، أمام كل من يتحدث معه.

وأصبح يبتعد عنه أصدقاؤه الأسرى المقربين منه من رام الله أيضا، وبالمقابل يبتعد عنهم البرغوثي أيضا، ربما تأتي هذه الخطوة لأنهم أصبحوا محبطين منه. لا يخرج البرغوثي إلى النزهات في ساحة السجن تقريبا، وعندما يخرج يُفضل البقاء وحده.

بعد مرور عدة أيام وبعد سلسلة من العلاجات التي خضع لها البرغوثي أصبحت المشاكل الطبية ذات الصلة بالإضراب الطويل (لن نتطرق إليها حفاظا على خصوصية الفرد) مستقرة وأصبح يشعر أفضل، ولكن مزاجه ظل منخفضا بحيث عُرِض عليه التحدث مع خبير من مجال الصحة النفسية. لكنه رفض.

إن وضع البرغوثي بحد ذاته ليس هاما، لكنه يشكل دلالة على الفشل الذي تعلو أصداءه إزاء "إضراب الكرامة" من جهة الفلسطينيين ونجاح الخطوة الإسرائيلية في كسر الإضراب وإنهاك البرغوثي.

السياسة التي انتهجها وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، جلعاد أردان، إزاء الإضراب ومفادها عدم إبداء أية تنازلات، وتضمنت إجراءات نفسية وعملية إزاء الأسرى المضربين، كان الهدف منها إيصال الرسالة أن الوزير "مجنونا"، وأن إسرائيل هذه المرة تتصرف على نحو مختلف. وقد تماشيت هذه السياسة مع مصلحة أبو مازن الذي "استولى" على الإضراب بواسطة أقربائه وفي الواقع نجح في الانتصار على البرغوثي في مراحل الإضراب الأخيرة. بالمناسبة، كان من بين القادة الإسرائيليين، من اعتقد أنه يجب تلبية طلب هامشي للمضربين عن الطعام، وتجنب تعرّض البرغوثي إلى الاحتقار العلني، ربما انطلاقا من وجهة نظره أنه شريك محتمل. لقد تم رفض اقتراحهم مرة تلو الأخرى.

لقد استطاع البرغوثي طيلة سنوات أن يسحر فئة غير قليلة من الإسرائيليين: صحافيون، وسياسيون، ورجال قوات الأمن في الماضي والحاضِر. المنطق هو ذات المنطق الذي كان سائدا في بداية التسعينات: أيدي البرغوثي الملطخة بالدماء تمنحه شرعية في أوساط الشعب الفلسطيني وقدرة على إقناعه بـ "بلورة" صفقة مع إسرائيل. حتى إذا تجاهلنا المشاكل الأخلاقية هنا، وحتى إذا تجاهلنا حقيقة أن هذا المنطق قد فشل بشكل كامل عندما تم تطبيقه مع عرفات، فقد علمنا هذا الإضراب أن احتمال أن يصبح البرغوثي وريثا كان مبالغا أو أن لا أساس له من الصحة كليا. لم ينجح البرغوثي في كسب تأييد معظم الفلسطينيين، ولا يعتقد معظم الأسرى الفلسطينيين الذين يشكلون نقطة قوة بالنسبة له، أنه يمكن أن يكون قائدا، وبالمقابل، يواصل أبو مازن في التغلب عليه بسهولة في كل مناورات سياسية وتكتيكية. إذا، بقي أمامنا "بالون منفوخ". يُستحسن البحث عن شركاء أقل عنفا وأكثر نجاعة.