يهاجم الكثير من الفقهاء المسلمين في أيامنا هذه الفقهاء المسلمين الذين يصرحون أن الشريعة تسمح للمسلمين بأن يكونوا مخلصين لنظام الحكم اليهودي وحتى أنهم يشجعونهم على الانخراط في الدولة اليهودية.

شجع عبد الله نمر درويش مؤسس الحركة الإسلامية في إسرائيل المسلمين على أن يكونوا مخلصين لدولة إسرائيل وأن ينخرطوا فيها. لم ترق أفكاره للكثيرين بما في ذلك فقهاء أتباع حركته. لا يشجع الفقهاء الإصلاحيون المسلمون انخراط المسلمين في دولة إسرائيل أيضًا. يدعي الشيخ يوسف القرضاوي، أبرز علماء السنة، أن على المواطنين المسلمين أن يكونوا أوفياء للدول غير المسلمة التي يعيشون فيها فيما عدا إسرائيل. إنه يستند في موقفه على الأحكام القانونية في العصور الوسطى وعلى التمييز الديني بين الإخلاص للدول الغربية الأوروبية وبين دولة إسرائيل، ويدعي أن دولة إسرائيل ليست شرعية لأنها أقيمت على أراض إسلامية.

ولكن في الوقت ذاته يشجع القرضاوي انخراط المسلمين الذين يعيشون في دول ومناطق حكمها المسلمون في الماضي، مثل الهند، دول البلقان، إسبانيا، وجنوب فرنسا. في الواقع، فإن نظرة الإسلام في العصور الوسطى إلى أنظمة الحكم غير الإسلامية كانت منوطة باتفاق سياسي وأمني بين المسلمين وبين الدولة غير المسلمة.

تكشف نظرة إلى مواقف الفقهاء المسلمين في العصور الوسطى وقبل ذلك، التي يعتمد فيها المفكرون المتشددون حول الوفاء لإسرائيل، صورة مختلفة. فرض معظم الفقهاء ومؤسسي المذاهب المختلفة في القرون الوسطى على المسلمين الذين يعيشون في ظل أنظمة حكم غير إسلامية المرتبطة باتفاقات سياسية وأمنية (عقد الإيمان) مع المسلمين على الوفاء لأنظمة الحكم. صرح هؤلاء المفكرون في كتاباتهم بشكل واضح أنه يُحظر  على المسلمين خيانة غير المسلمين أو خرق الاتفاقات.

كتب محمد بن إدريس الشافعي (مات عام ‏820‏ م)، مؤسس المذهب الشافعي الأكثر شيوعا في إسرائيل في يومنا هذا  في كتابه الأم‏‎ ‎‏أنه يحظر على المسلمين خيانة  غير المسلمين إذا التزم غير المسلمين بالحفاظ على حياة وأملاك المسلمين. أكد محمد بن الحسن الشيباني (توفي عام  805 م) مؤسس المذهب الحنفي، الأكثر شيوعا في العالم الإسلامي في يومنا هذا، على خطورة خيانة غير المسلمين في حال وجود اتفاق أمني بينهم وبين المسلمين.

لا يختلف موقفَي المذهب المالكي، الشائع في شمال إفريقيا والمذهب الحنبلي الشائع في السعودية تحديدا ويعتبر الأكثر حفاظا من بين المذاهب. يُلزم المذهبان المسلمين بالولاء للحكم غير الإسلامي المرتبط باتفاق أمني مع المسلمين. لا يميز هذا الموقف بين الحكم اليهودي والحكم المسيحي، الهندي أو الصيني. أكثر من ذلك، كان موقف الفقهاء المتطرفين مثل تقي الدين ابن تميمة (توفي 1328 م) شبيها. حظر ابن تميمة على المسلمين خيانة نظام الحكم غير الإسلامي الذي يضمن لهم أمنا وحرية في ممارسة طقوسهم، وحتى أنه دعاهم إلى عدم التميّز عن المحليين من خلال لباسهم ومظهرهم الخارجي، وأوصى لهم بأن يشاركوا في الحفلات الاجتماعية التي يقيمها غير المسلمين لتسهيل انخراطهم في المجتمع.

ثمة حالة تاريخية بارزة وخاصة بالمسلمين الذين عاشوا في ظل الحكم اليهودي في القرون الوسطى هو حكم الخرز، الذي يعتقد المسلمون أنه حكم يهودي. اتضح أن المسلمين الذين عاشوا في ظل هذا الحكم كانوا مسلمين مخلصين لحكم غير المسلمين، وفضلوه عن حكم إسلامي في تلك الفترة. قال عالم الجغرافية المسلم محمد ابن حوقل (توفي عام 977 م) إن المسلمين الذين عاشوا في ظل حكم الخرز كانوا جزءا من المحليين من ناحية اجتماعية، سياسية، اقتصادية، وثقافية. يعرض المسلمون في الاحتفالات الجغرافية والتاريخية حكم الخرز بصفته شجعهم على الهجرة إلى مناطق تحت سيادته ومنحهم حقوق اقتصادية، اجتماعية، قضائية وحتى سياسيّة.

سُمح للمسلمين في ظل حكم الخرز بإدارة حياة دينية وحتى قضائية وفق الشريعة، وكان القضاة المسلمون قادرين على الحكم وفقها. حتى أن المسلمين شغلوا منصب وزراء. ليس عجبا، أن هناك تطرق في هذه المصادر إلى حكم الخرز اليهودي في القرون الوسطى كأمن وعادل، ومثالي لعيش المسلمين.

إن الادعاء أن الإسلام يميز بين الوفاء للدول الغربية المسيحية وبين الوفاء للدول اليهودية ليس دقيقا تاريخيا وفقهيا. وينبع هذا الادعاء من موقف سياسي وطني متأثر في الصراع العربي الإسرائيلي. عمليا، فرض كل المفكرين من مذاهب الأحكام الفقهية في القرون الوسطى على المسلمين الولاء لنظام الحكم غير الإسلامي الذي كان يلتزم بموجب اتفاق بالحفاظ على أمنهم، ممتلكاتهم، وحريتهم في القيام بطقوسهم الدينية.

نُشر هذا المقال لأول مرة في منتدى التفكير الإقليمي.