يبدو كأن قرار المجلس الوزاري الإسرائيلي المُصغّر للشؤون الأمنية والسياسية الذي تطرق قبل يومين (الأحد) إلى الوضع في غزة يتضمن تناقضا داخليا. فمن جهة، سمع الوزراء آراء مسؤولي الاستخبارات بشأن الأزمة الإنسانية الأخذة بالازدياد في القطاع، والتي يعود أحد أسبابها إلى قرار السلطة الفلسطينية لوقف دفع مقابل استهلاك الكهرباء لإسرائيل الذي تستهلكه حكومة حماس في غزة. ومن جهة أخرى، قرر المجلس الوزاري الإسرائيلي - بناء على توصية المنظومة الأمنية - قبول طلب  السلطة وعدم التدخل للتوصل إلى تمويل بديل لتلبية احتياجات الكهرباء في القطاع.

توضح منظمات إنسانية حاليا أن التقليصات الأخرى ستضمن تقليص توفير الكهرباء والحد من توفيره لمدة تصل حتى ثلاث ساعات وربما أقل في اليوم، بينما تُحذر حماس من معركة عسكريّة قريبة ضد إسرائيل. رويدا رويدا، ترد معلومات حول تعزيز تسلح حماس واستعدادها لمعركة عسكرية، حيث تثير نواح معينة فيها قلقا استثنائيا.

هناك بعض التحليلات وراء قرار المجلس الوزاري الإسرائيلي: ليس في وسع حكومة نتنياهو أن تبدو في نظر ناخبي اليمين، وكأنها ترضخ لتهديدات الفلسطينيين وتوافق على تمويل نشاطات حماس؛ ولا ترغب الحكومة في أن تبدو كداعمة لحماس في المواجهات الداخلية في السلطة الفلسطينية؛ تشير معظم التقديرات الاستخباراتية إلى أنه من الصعب على حماس حاليا شن حرب لأنها أصبحت معزولة عن العالم العربي أكثر من أي وقت مضى، ولأنها تخشى من خسارة دعم قطر؛ وما زال الوزراء يعتقدون أن "بولي سيهتم بالأمور" - سينجح منسق عمليات الحكومة في الأراضي، اللواء يؤاف مردخاي بطريقة معينة هذه المرة أيضا في التغلب على الأزمة، تجنيد دعم اقتصادي خارجي للقطاع أو الحد من ضغط السلطة، بشكل يقلل ممارسة الضغط على حماس ويمنع تفاقم الوضع مجددا.

المدفعية الإسرائيلية تقصف غزة خلال حرب "الجرف الصامد" (IDFׂ)

المدفعية الإسرائيلية تقصف غزة خلال حرب "الجرف الصامد" (IDFׂ)

إلا أن كل هذه التعليلات تنضم إلى مراهنة: أصبحت إسرائيل تتماشى مع الموقف الهجومي الجديد الذي تبناه رئيس السلطة، محمود عباس (أبو مازن)، وتأمل خيرا. أضحت الحاجة إلى كسب رضا عباس الشريك الفلسطيني المثالي الوحيد في المنطقة واضحة (حتى وإن اتهمه وزير الدفاع ليبرمان قبل سنة بالفساد ووصفه كعائق أساسي في دفع المسار السياسي قدما). ليس واضحا تماما إذا حددت إسرائيل مصلحتها في القطاع وما هي الخطوات التي تعمل لصالحها.

بدأ يتضح الآن ما هو هدف عباس: محاسبة حماس على الاستخفاف والتحريض اللذين مارستهما طيلة عقد، حيث فشلت خلاله كل محاولات التوصل إلى تسوية فلسطينية داخلية. هناك شك إذا كان عباس يعتمد على أن الضغط الذي يمارسه سيؤدي إلى انتفاضة سكان غزة ضد نظام حماس الدكتاتوري، ولكن يبدو أنه لن يندم بشكل خاص في حال أدى التدهور الحالي إلى جولة قتال إضافية، حيث تُلحق فيها إسرائيل ضربة أقوى بحماس. في حال كانت الحسابات الإسرائيلية خاطئة، فقد تؤدي التطوّرات الحالية إلى ذلك، خلافا لرغبة الحكومة المعلنة.

من المرجح أن عباس يحظى بدعم من سياسة إدارة ترامب. خلافا للرئيس أوباما السابق، فالرئيس الأمريكي الجديد لا يتردد في وصف حماس منظمة إرهابية يجب العمل ضدها بحزم. تُذكّر زيادة حدة تعامل السلطة مع حماس إلى حد معين بالخطوة السعودية ضد قطر. في كلتا الحالتين، تفسّر حكومات سنية يعرضها ترامب بصفتها حكومات "جيدة" دعم الرئيس كتشجيع لاتخاذ خطوات جريئة أكثر ضد منافساتها على السيطرة.

قذائق تطلق من قطاع غزة نحو إسرائيل في 2014 (AFP)

قذائق تطلق من قطاع غزة نحو إسرائيل في 2014 (AFP)

في جلسة الكنيست، التي حدثت في نيسان من العام الماضي، حول تقرير مراقب الدولة بشأن عملية "الجرف الصامد"، أوضح رئيس الحكومة نتنياهو أنه يرغب في تجنب خوض معركة ضد حماس قدر المستطاع. كذلك في النقاشات في الأيام الأخيرة، قال نتنياهو وبعض الوزراء أقوالا شبيهة. في الوقت ذاته، بدا ليبرمان ووزير التربية، نفتالي بينيت، أمس وكأنهما يتنافسان بشكل استثنائي على عرض آراء أكثر اعتدالا فيما يتعلق بغزة. وحذر بينيت في مؤتمر "هآرتس" من تفاقم الوضع الإنساني في القطاع داعيا لاتخاذ العبر من عملية الجرف الصامد؛ قال ليبرمان "لا نرغب في المبادرة إلى عملية عسكريّة في غزة". يمكن أن نفترض أن نتنياهو يصرح علنا تصريحات شبيهة في وقتنا هذا أيضًا.

صادف أمس مرور ثلاث سنوات منذ خطف الجنود الإسرائيليين في غوش عتصيون على يد عناصر حماس. ولكن بعد مرور أسبوعين ونصف عُثر على جثث الشبان، حيث دفنهم القتلة في الأرض في منطقة غربي الخليل. غمرت إسرائيل أثناء هذه الفترة أجواء صعبة، غاضبة، وحتى أنه ساد توق لشن حرب. رويدا رويدا، طرأت توترات في منطقة حدود غزة على خلفية وجود شك لدى إسرائيل أن حماس تنوي تنفيذ عملية خطف كبيرة. وبعد مرور أسبوع من العثور على الجثث في الضفة، خاضت إسرائيل وحماس معركة في غزة.

قال وزير الدفاع أثناء الحرب، موشيه يعلون، أمس في مؤتمر "هآرتس" إن حماس  لم ترغب في خوض الحرب في صيف 2014، ولكنها خاضتها بسبب اعتبارات خاطئة. رغم التفاؤل النسبي لدى المسؤولين في الاستخبارات، ورغم عدم وجود نية للتصعيد، قد تؤدي مظاهرة في غزة بجانب الحدود وتخرج عن السيطرة وتنتهي بقتلى إزاء إطلاق نيران على يد الجيش الإسرائيلي، إلى تدهور الأوضاع. هناك مقولة لمارك توين تدعي أن التاريخ لا يعيد نفسه تماما ولكنه يتشابه كثيرا.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع هآرتس.