باتت تشكل الأسواق في شهر رمضان في القرى العربية الكبيرة في إسرائيل أكثر من احتفال تلقائي - لقد تحولت إلى مهرجان سياحي كبير، وفرصة لكسب الأرباح من الجمهور الغفير المُحتفِل. ولكن أسواق رمضان ما هي إلا مثالا واحدا على التغييرات الجذرية التي يجتازها عرب 48.

يجتاز المجتمع العربي في إسرائيل ثورة اقتصادية واجتماعية هائلة. فتشهد الطبقة الوسطى في المجتمع العربي في إسرائيل ازديادا ملحوظا. ازدادت مكانة الطبقة الوسطى في أوساط عرب 48 حيث كانت نسبتها قبل عقدين نحو %17 ووصلت في وقتنا هذا إلى نحو %27. هذا يعني إمكانية قضاء الوقت أكثر، السفر إلى خارج البلاد، عائلات لديها أطفال أقل، زيادة مستوى التعليم لا سيّما في أوساط النساء، ومستوى معيشة أعلى، ورغبة في الانخراط في الاقتصاد الإسرائيلي. تتجسد التغييرات في كل مُعطى إحصائي حديث تقريبا حول هذا المجتمَع المميز.

سوق رمضان في إسرائيل.. تحول إلى مهرجان سياحي

سوق رمضان في إسرائيل.. تحول إلى مهرجان سياحي

عدد أطفال أقل وتعليم أكثر

هناك علاقة متينة بين زيادة عدد النساء المثقفات ونقص عدد الأطفال، وتحسّن الوضع الاقتصادي. أثبتت هذه الأبحاث أن الاستثمار في تعليم النساء يؤدي إلى زيادة مكانة المجتمع والاقتصاد مقارنة بأي استثمار آخر

أحد المعطيات الحديثة حول عرب 48، وفق دائرة الإحصاء المركزية في إسرائيل هو انخفاض نسبة الولادة. فإذا كان قبل عقدين معدل الأطفال لدى امرأة عربية في إسرائيل هو 4.5 أطفال، فقد أصبحت تختار النساء العربيات في يومنا هذا ولادة عدد أقل من الأطفال، إذ انخفض معدل الولادة إلى نحو 3 أطفال في وقتنا هذا. ما زال هذا المعدل مرتفعا مقارنة بالعالم الغربي، ولكنه يشكل انخفاضا ملحوظا دون شكّ.

ثمة ميزة أخرى من التغييرات التي طرأت على المجتمع العربي في إسرائيل، وهناك من يدعي أنها السبب في تطور مكانة الطبقة الوسطى في المجتمع العربي، وهي زيادة عدد النساء المثقفات. تشكل النساء العربيات %72 من إجمال الطلاب الجامعيين العرب الذين أنهوا التعليم للقب الأول في إسرائيل، و %67 من بين الحاصلين على اللقب الثاني في المجتمع العربي. نسبة النساء العربيات من بين المثقفين أكاديميّا أعلى من نسبتهن من النساء الإسرائيليات، اللواتي يشكلن %60 فقط من الحاصلين على لقب أكاديميّ في المجتمع اليهودي.

عائلة عربية في يافا (Alana Perino/FLASH90)

عائلة عربية في يافا (Alana Perino/FLASH90)

هناك 120 ألف مواطن عربي ممن أنهوا تعليمهم الأكاديميّ، ويحتل جزء منهم قمة قائمة المهن الأكاديمية - أطباء، صيادلة، وممرضات. تضاعف معدل الطلاب الجامعيين العرب في الجامعات الإسرائيليات في العقدين الماضيين. وفق معطيات مؤسسات التعليم العالي، كانت نسبة الطلاب الجامعيين العرب من إجمال الطلاب الجامعيين في إسرائيل، (لا تتضمن الطلاب الذين يتعلمون خارج البلاد) في عام 1996‏ ما معدله ‏7%‏ ولكنها وصلت إلى 15%‏ في عام ‏2016‏.

وفق أبحاث البنك الدولي في أنحاء العالم، هناك علاقة متينة بين زيادة عدد النساء المثقفات ونقص عدد الأطفال، وتحسّن الوضع الاقتصادي. أثبتت هذه الأبحاث أن الاستثمار في تعليم النساء يؤدي إلى زيادة مكانة المجتمع والاقتصاد مقارنة بأي استثمار آخر. تقلل النساء المثقفات عدد الأطفال، وبالمقابل، يستثمرن أيضا في تعزيز تعليم أطفالهن.

يسافر عربي واحد من بين خمسة من عرب 48 لقضاء إجازة خارج البلاد

امرأة محجبة في القدس (Nati Shohat/Flash90)

امرأة محجبة في القدس (Nati Shohat/Flash90)

تشكل المصالح التجارية الخاصة والصغيرة والمهن الحرة مصدر رزق معظم أصحاب الطبقة الوسطى من عرب إسرائيل

مثلا، في عيد الأضحى الذي صادف في شهر أيلول الماضي، كان عربي من بين خمسة عرب في إسرائيل في إجازة خارج البلاد، أي 170 ألف عربي إسرائيليّ سافروا إلى الخارج. يعتبر هذا العدد مرتفعا جدا مقارنة بالسنوات السابقة. كانت اليونان وإيطاليا الدولتين المفضلتين، ولكن هناك من سافر إلى رحلة في أوروبا - فرنسا، إنجلترا، وألمانيا.

لكن كيف يمكن الدفع مقابل هذه الرحلات لكل العائلة؟ تشكل المصالح التجارية الخاصة والصغيرة والمهن الحرة مصدر رزق معظم أصحاب الطبقة الوسطى من عرب إسرائيل. هناك في يومنا هذا 23 ألف مصلحة تجارية لعرب 48، تتضمن الكثير من العيادات ومكاتب المحاماة. إضافة إلى ذلك، باتت مكانة الطبقة الوسطى الآخذة بالتطور، تشهد تنافسا كبيرا. لذلك، ليس كل مَن يخرج لقضاء عطلة لديه ما يكفي من المال المطلوب. بما أن الصرعة أصبحت شائعة أكثر في المجتمَع العربي، ويرغب العرب في أن يكونوا مثل أقربائهم وجيرانهم، يقترض الكثير منهم قروض بنكية، رغم أنه يبدو أن الرحلات لا تشكل حاجة ماسة.

البشرى الاقتصادية الخاصة بعرب 48

قرية فريديس في الجليل (Hadas Parush/Flash90)

قرية فريديس في الجليل (Hadas Parush/Flash90)

أصبحت مكانة الطبقة الوسطى لعرب إسرائيل آخذة بالازدياد في السنوات الأخيرة، ولكن، بالمقابل، باتت تشهد مكانة الطبقة الوسطى لدى اليهود انخفاضا. إذا أخذنا بعين الاعتبار عرب إسرائيل دون الفلسطينيين من سكان القدس الشرقية، فإن مكانة الطبقة الوسطى لدى العرب أكبر بـ %2 من مكانة الطبقة الوسطى لدى يهود إسرائيل.

بما أن قوة الاقتصاد الوطني العصري واستقراره يعتمدان إلى حد كبير على مكانة الطبقة الوسطى، فإن زيادة عدد العائلات العربية من أبناء الطبقة الوسطى وتحسّن وضعها الاقتصادي، لا يشكلان بشرى لهذه العائلات فحسب بل للاقتصاد الإسرائيلي عامة أيضًا.