ألقى قائد حركة الجهاد الإسلامي رمضان شَلَح، بتاريخ 21 تشرين الأول، خطابًا في الذكرى الـ 29 لتأسيس الحركة. لم يكن خطابه مختلفًا عن خطاباته السابقة، ولكن قد تغير فيه السياق التاريخي والجيوسياسي. يمكن لشلَح، بعد مرور 23 عاما على فشل اتفاقيات أوسلو وعلى ضوء التغييرات في الداخل الفلسطيني وفي الساحة العربية الإسلامية والدولية، ألا يعير اهتمامًا بالسؤال "ماذا سيحدث بعد رحيل أبو مازن" وأن يهتم بالسؤال الأهم: "ماذا سيحدث بعد ضياع فلسطين؟!".

تم إبعاد حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، التي تأسست في أواسط الثمانينات وكانت من الحركات البارزة في الانتفاضة الأولى، إلى هامش الساحة السياسية بعد توقيع اتفاقيات أوسلو.  كانت الحركة طوال عقدين وأكثر حركة عسكرية مُتطرفة عملت على إفشال كل هدنة لم تتم بالاتفاق معها. لم تؤسس الحركة بنى تحتية مدنية لها ولم تشارك في الانتخابات للسلطات المحلية، السلطة التشريعية أو الرئاسية، ولهذا بقيت حركة هامشية في اللعبة السياسية الفلسطينية.

يُطالب قائد الجهاد الإسلامي رمضان شَلَح، قبل أن يجد هو ذاته وحركته أنفسهم أمام ترتيبات سياسية جديدة يكون فيها مروان البرغوثي رئيسًا لفلسطين وخالد مشعل رئيسًا لحكومتها، بأن تُعاد الأمور إلى نِصابها. طالب شلَح في خطابه إلغاء اتفاق أوسلو، سحب الاعتراف بإسرائيل، إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، بلورة استراتيجية وطنية للنضال المُسلح المُشترك تضم كل مكوّنات الشعب الفلسطيني (في الضفة الغربية، غزة، وداخل حدود أراضي 48 وفي الشتات)، وتعزيز حركة المقاطعة الدولية ضد إسرائيل. وقد جّه انتقادات حادة ضد الأنظمة العربية التي تخلت عن النضال من أجل تحرير فلسطين وقامت بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل.

تُهدد ثلاثة عوامل بإخراج القضية الفلسطينية من الأجندة العربية والعالمية، ومن شأن تلك العوامل إفراغ استراتيجية النضال الفلسطيني من أدواتها. العامل الأول هو محاولة الأنظمة في تركيا، إيران، وقطر قيادة المنطقة بدلا من الأنظمة العربية القمعية و "العلمانية" وإنقاذ فلسطين من براثن إسرائيل. العامل الثاني هو تجاهل اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية لما يحدث في الميدان، بسبب مشاكل تعصف بالمنطقة والعالم بأكمله. فمن جهة يعتبر تنفيذ عمليات "سكين المطبخ" وإطلاق القذائف من الجانب الفلسطيني بين الحين والآخر، والاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، عاديا أمام القضايا الأكثر اشتعالاً، بكل ما في الكلمة من معنى.

بينما العامل الثالث هو أزمة الحكم داخل السلطة الفلسطينية واستمرار عدم الثقة بالقيادات السياسية في غزة والضفة الغربية، والتي ظهرت تداعياتها بشكل واضح من خلال الاستطلاع الجماهيري الذي أُجري مؤخرًا في المناطق الفلسطينية. يزيد هذا الواقع من تعاون منظمات المُجتمع المدني في المناطق الفلسطينية، وحتى أنه في العام الأخير تم تأسيس جهة واسمها "وطنيون من أجل إنهاء الانقسام"، تضم شخصيات معروفة في الحركة الوطنية العالمية العلمانية والإسلامية الفلسطينية وكانت قد قُوبلت بالتشكيك من قبل السلطة الفلسطينية. تُعتبر مبادرات التعاون غير جديدة على نطاق الساحة الداخلية الفلسطينية وهي تظهر دائمًا في ظل أزمة سياسية ما.

يُشير هذا الصراع الدائر بين فتح وحماس حول مسألة من يرث أبو مازن كرئيس السلطة الفلسطينية وخالد مشعل كرئيس للجناح السياسي في حركة حماس، وتدخل جهات عربية في الموضوع، إلى التعلق الفلسطيني المتزايد باللاعبين الإقليميين. لا شك أن طرق أبواب القادة العرب، المسلمين، والدوليين، من قبل أبو مازن ، خالد مشعل، محمود الزهار، موسى أبو مرزوق، جبريل الرجوب، محمد دحلان وأيضًا مروان البرغوثي، للحصول على شرعية لقيادتهم الحالية أو المستقبلية، هو أكبر تعبير على المستوى المنحط الذي وصلت إليه القيادة الفلسطينية بعد موت ياسر عرفات. يضطر، في الواقع، الساعون للتربع على عرش القيادة الفلسطينية إلى طلب المساعدة من الخارج لكي تتم التوصية بأن يتولوا السلطة على من ضاقوا بهم ذرعًا في الداخل.

ألقى شَلَح خطابه على خلفية وطنية - فلسطينية ودينية وروح إسلامية جهادية تهدف إلى بعث الروح في الشعب الفلسطيني المتشائم ولوضعه أمام سؤال "ماذا سيكون بعد فلسطين". في المقابل، اختار أبو مازن التحدث عن المسار السياسي والمدني الذي اختاره: خطابات من على منصة الأمم المتحدة، دعم المبادرة الفرنسية قدما، المُشاركة في جنازة ضحايا الإرهاب في باريس، وحتى المشاركة في جنازة شمعون بيريس، آخذًا بذلك مُخاطرة سياسية كبيرة.

هل سيختار الشعب الفلسطيني اليائس طريق أبو مازن، التي لم تساعده حتى الآن على مستوى الساحة الدولية وفي إسرائيل، أو سيختار طريق رمضان شلَح والعودة إلى نقطة البداية في الصراع والنضال المُسلح ضد إسرائيل؟

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي