كيف يمكن قضاء الصيف بينما تسود أجواء حارة خارج المنازل تزيد عن ثلاثين درجة مئوية، وتُوفَّر الكهرباء لأربع ساعات في اليوم فقط، وربما ستُوفَّر قريبا حتى ثلاث ساعات (التوقيت قابل للتغيير ولا يكون ثابتا دائمًا، حيث إنه يجب الاستيقاظ باكرا لتشغيل ماكينة الغسيل)، و%90 من الماء غير صالح للشرب، ويؤدي إلى ما لا نهاية من الأمراض، ونقص احتمال العثور على عمل كلما كان الإنسان مثقفا (%70 نسبة البطالة في أوساط الجيل الشاب والمثقف)، وتهديد بإيقاف توفير الأدوية، وأخيرا استعراض قوة أبو مازن الذي قرّر أنه سئم دفع حسابات حماس، حتى وإن كانت هذه الخطوة على حساب حياة أبناء شعبه وصحته.

من المتبع القول إن الوضع في غزة بات كارثيا تقريبا. هكذا قد مرت حتى يومنا هذا عشر سنوات تماما منذ أن سيطرت حماس بقوة على الحكم في قطاع غزة، ويمكن أن نقول دون شك إن الكارثة باتت وشيكة الحدوث. أيام رمضان هذا العام طويلة، وتتسم باليأس. فيتجول شبان في مقتبل عمرهم في الشوارع، أو أنهم يتسلقون أسطح المنازل، باطلون عن العمل وعصبيون. ينعكس صوت الإحباط عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ولكن نصف الاتهامات (في هذه اللحظة) ليس موجها ضد حماس، بل ضد إسرائيل، مصر، أبو مازن، ترامب، وضد العالم.

تتابع حماس الوضع بترقّب. تستند هذه الحركة بشكل قاطع على ردود فعل الجمهور وتدير منظومة استطلاعات غير مباشرة - في المساجد، ومخيّمات اللاجئين، والأعراس، والجنازات. تدرك حماس أن الوضع في الأشهر الأخيرة يعمل ضدها - الخطوة التي اتخذها أبو مازن، وطرد أعضاء الحركة من قطر وتركيا، وتصنيفها من قبل ترامب كمنظمة إرهابية، بعد كل المحاولات التي بذلتها لتلميع صورتها ووضع ميثاق مبادئ جديد، والأصعب من هذا كله: شحيح الأموال. حماس تتبرع بنسبة %1 من ميزانيتها للمواطِنين في القطاع، في حين تتحمل منظمات دولية مثل الأونروا القسط الأكبر من عبء الحياة في غزة، إذ يعتمد أكثر من %50 من السكان عليها وكذلك على السلطة الفلسطينية. كل مبلغ مالي هام. في الوقت الذي يهدد فيه أبو مازن أنه سيقلل نحو %30 من الميزانية الدورية لإدارة القطاع، وحتى إنه بدأ هذه الخطوة فعليا، بدأت حماس التي اعتقدت في البداية أن الحديث يدور عن نزوة لأبو مازن وأنها حالة ستختفي بعد لقائه مع ترامب، تشعر بالقلق.

كيف ترتبط هذه الأحداث بالتصعيد الموسمي في حال حدوثه أم لا؟ هناك انسجام بين الجناح العسكري والمدني في حركة حماس، وهذا يتجسد بشكل مثير للاهتمام في شخصية يحيى السنوار، الذي عُين قائد حماس في غزة، ولكن جذوره مغروسة عميقا في الجناح العسكري. السنوار أسير محرر في صفقة شاليط، رجل غامض، عنيف وليس لطيفا بشكل خاص ومن الصعب التحبب إليه (تقول الأسطورة إنه اعتاد على قتل المتعاونين بيديه). ومع أن قرارات حماس تتخذ بناء على المبادئ الدينية دائمًا، من خلال إجراء نقاشات واستشارات، إلا أن رأي السنوار هو المهيمن.

ورغم أنه تم تلطيف تقديرات الجيش الإسرائيلي "حماس لا ترغب بالتصعيد"، بشكل تقليدي، فهناك خوف من خطوة تخرج المنظومة عن السيطرة، وتؤدي إلى أن نخوض جميعا صيفا عقيما في غزة. مثلا: تنفيذ حماس عملية كبيرة في الضفة (هناك محاولات كل الوقت)، إطلاق قذائف في توقيت غير صحيح، خشية من تدهور اقتصادي أو تدهور السيطرة بشكل تام أو ممارسة ضغط خارجي أو داخلي للتخلص من الوصمة الجديدة لحماس بصفتها "داعش الفلسطيني"، وإعادة الصراع ضد إسرائيل إلى الصدارة.

بات السنوار الذي بدأ يتأقلم رويدا رويدا مع منصبه الجديد، ويظهر في أزيائه الجديدة على أنه أكثر سياسيا منه إرهابيا. للإجمال، منذ أن طُرحَت إمكانية التصعيد على الطاولة، يشهد الوضع ديناميكية ذاتية من الصعب التخلص منها، ولكن يجب المحاولة دون شك.