باريس هي مدينة جميلة في هذا الموسم. فتغطي الثلوج شوارعها النظيفة، وتفوح روائح لذيذة من المدافئ في الهواء، وتقدّم المقاهي عددا من المخبوزات ومشروبات الشوكو الساخنة. يبدو أن هذا هو سبب مُحفّز أكثر للوصول في هذه الأيام إلى مدينة الأضواء الرومانسية أكثر من مؤتمَر السلام المُنعقد فيها.

أرسل أكثر من 70 دولة ممثلين للمشاركة في المؤتمر، لمناقشة مستقبل العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين. يجلس وزراء خارجية ودبلوماسيون مسؤولون من كل العالم في قاعة فخمة، ويناقشون مصير دولتين لا يشارك ممثلون عنهما بشكل رسمي.

قاطعت إسرائيل المؤتمر، مُدعية أن الفلسطينيين ليسوا مستعدين للمفاوضات دون شروط مُسبقة. قال رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في الأسبوع الماضي إن "الحديث يدور عن خدعة فلسطينية برعاية فرنسا، تهدف إلى تبني مواقف أخرى معادية لإسرائيل"، فتبدو هذه الأقوال في الحقيقة كحجة من قبل نتنياهو، الذي يترأس حكومة اليمين المتطرّف التي ليس لديها احتمال في أن تحقق إنجازا سياسيا مع الفلسطينيين. ومن جهتهم، قاطع الفلسطينيون المؤتمر بعد أن اتضح لهم أنه لن يشارك فيه أي ممثل إسرائيلي.

ففي النهاية، نشأت حالة يجلس فيها سياسيون، لا يعرف معظمهم خفايا النزاع، ولا شك أنهم لا يعرفون الوضع القائم جدا، سواء كان في إسرائيل أو في فلسطين (هل تحدث شخص ما ذات مرة مع مواطن إسرائيلي أو فلسطيني ليس دبلوماسيا؟)، ويتناقشون في مصير شعبين لا يشارك ممثلون عنهما ولا يُسمع صوتهم.

يبدو أن في عام 2016، ما زالت الكولونيالية مستمرة وفي ذروتها، إذ يجلس ممثلو دول العالم في غرفة دافئة في أوروبا ويخططون مصير العالم، وكأن شخصا منحهم حق تقرير المصير وتقسيم أراض ليست بملكيتهم.

"ليس هناك أي حل محتمل سوى حل الدولتَين"، قال وزير الخارجية الفرنسي في مستهل المؤتمر. ولكن مَن يتحدث مع الإسرائيليين والفلسطينيين، يفهم أن الكثيرين منهم قد سئموا الفكرة منذ وقت ولا يؤمنون بها. باتت تُسمع مؤخرا أفكار حل الدولة الديموقراطية أو حل الدولة ثنائية القومية أكثر فأكثر.

ليست هذه الأفكار أفضل بالضرورة أو قابلة أكثر للتطبيق من حل الدولتين، ولكنها تثبت أن وزير الخارجية الفرنسي لا يعرف عما يحدث في تلك الدولتين اللتين يرغب في تحديد مصيرهما.

حظي المبعوث الأمريكي، جون كيري، طيلة أربع سنوات كاملة بفرصة التأثير على الوضع في الشرق الأوسط، ولكن بعد مرور أسبوعين سينهي إدارته وزارة الخارجية دون أن يحقق نجاحا أيا كان. فليس أنه لم يعد ذا صلة بعد، بل أثبت أنه ليست لديه القدرات التنفيذية الضرورية لأوضاع مُعقّدة إلى هذا الحد.

يبدو أن المشاركين في المؤتمر، لا سيّما منظميه، معنيون بأن يظهروا كأبطال أو أن يُذكروا في التاريخ بصفتهم حاولوا تحسين الأوضاع في العالم. ولكن في الحقيقة، يدور الحديث عن مؤتمر عديم الفائدة، لن يترك تأثيرا أيا كان سوى بعض التصريحات التي ستُنسى في غضون أسابيع قليلة وسيؤدي إلى تبذير الكثير من الأموال. أقترح على الممثلين الذين وصلوا إلى باريس، أن يخرجوا ويتنزهوا في المدينة الرومانسية. عندها ربما تصبح زيارتهم أكثر نجاعة.