أشار مراقبون اقتصاديون في إسرائيل إلى أن المستفيدين الأكبر من "قانون الحوانيت" الذي صادقت عليه الكنيست بأغلبية ضئيلة هذا الأسبوع، وأثار عاصفة سياسية في الائتلاف الحكومي هم عرب 48 أو عرب إسرائيل. فاليهود الذين سيجدون أبواب الحوانيت والمطاعم مقفلة أيام السبت جرّاء الوضع القانوني الجديد لن يبقوا في البيت، إنما سيتجهون إلى المتاجر العربية التي ستكون مفتوحة يوم السبت.

والدليل القوي على أن القانون الذي يهدف إلى الحد من النشاط التجاري في المدن اليهودية في أيام السبت لرفع شأن اليوم المقدس عند اليهود، وكان وراءه وزير الداخلية وزعيم حزب "شاس" (حزب المتدينين الشرقيين) آريه درعي، سيدفع قدما التجارة في البلدات العربية- الدليل هو سفر أكثر من نصف اليهود في شمال إسرائيل ومركزها إلى البلدات العربية من أجل شراء اللوازم البيتية والأطعمة البلدية.

وتظهر معطيات نقتلها صحيفة "دي ماركر" الإسرائيلية، عام 2015، جمعها معهد بحث "جيوكارتوغرافيا" الإسرائيلي، أن أكثر من نصف اليهود يقصدون البلدات العربية من أجل شراء الغذاء والأطعمة الشعبية والخضار والفاكهة. ونحو 30% يصل إلى القرى العربية من أجل شراء الملابس والأحذية وأغراض البيت.

ومن المتوقع أن يزداد أعداد اليهود الذين سيصلون إلى القرى والمدن العربية في أعقاب القانون الذي ربما سيشل النشاط التجاري في البلدات اليهودية في أيام السبت. في الحقيقة هناك جدال في إسرائيل إن كان القانون سيطبق بصورة واسعة أم أن الهدف منه ليس تغيير الوضع وإنما جني مكاسب سياسية أرادها حزب "شاس" الذي سجل انجازا كبيرا من ناحيته بعد أن أجبر رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على دعم القانون وممارسة الضغوط على المعارضين للقانون في الائتلاف من أجل تمريره في الكنيست.

يركا نموذجا لازدهار الاقتصادي

ويُظهر البحث المذكور أن البلدات العربية ستصبح أكثر استقطابا لليهود في حال تطوير مناطق التجارة فيها وتوسيعها، وبناء مجمعات تجارية كبرى، بإمكانها احتواء أكبر عدد من الزوار. ومن البلدات العربية التي أفلحت في تحقيق هذا الإنجاز قرية يركا الواقعة شرقي شمال مدينة عكا. فقد تحولت هذه القرية ذات الأغلبية الدرزية إلى قوة اقتصادية عظمية في إسرائيل رغم صغرها.

وفي حين يفسر خبراء اقتصاد نجاح يركا بالإشارة إلى موقعها الجيوغرافي، في مركز الجليل الأعلى، قريبة من مدن الشمال الكبرى: عكا ونهريا وحيفا، يعتقد آخرون أن نجاح يركا يعود إلى المبادرات التجارية الجريئة التي أقدم عليها سكان في القرية خلال السنوات الأخيرة وأبرزها تشييد مجمعات تجارية عملاقة.
واحد من هذه المراكز "مركز الغذاء" في يركا، الذي تحول إلى أكبر سوبر ماركت في إسرائيل –وقال في الشرق الأوسط- ويهدف إلى خلق تجربة تسوق غير عادية لكل من يدخل أبوابه، متخذا السوبر ماركات الأمريكية العملاقة نموذجا. ويعرض المركز على رواده مطاعم بنكهة إيطالية أثناء التسوق، حتى أصبحت فئة تقصد المتجر لتناول الطعام وليس شراء الأغراض.

أين سيذهب اليهود للشراء أيضا؟

ينقسم اليهود الذين يقصدون القرى والمدن العربية إلى فئتين، واحدة تأتي لشراء الطعام واللوازم البيتية في حوانيت القرى والمجمعات التجارية، وأخرى تأتي من أجل السياحة وهذه الفئة تنزل في المقاهي والفنادق وتساهم في ازدهار ثقافة "غرف الضيافة" في القرى.

وحسب التقديرات، ستضاعف الفئة الأولى أعدادها في أعقاب إغلاق الحوانيت اليهودية أيام السبت. وغير قرية يركا التي حققت معجزة اقتصادية يصعب تفسيرها بالنظر إلى حجمها الصغير، هناك العاصمة العربية، الناصرة، واحدة من الوجهات الأساسية المفتوحة لليهود خلال يوم السبت. فهذه المدينة تحولت إلى جنة مذاقات ثرية تحتضن مجموعة غير قليلة من المطاعم التي تعني بتقديم وجبات خاصة وبجودة عالية.

وتعد الناصرة في الراهن مقصد أصحاب الذوق الرفيع ومن يبحثون عن وجبات عربية وأجنبية يكون من ورائها طهاة محترفون. ومن هذه المطاعم التي أصحبت جزءا من المعالم "الكولونارية" للمدينة: تشرين، ومطعم ديانا، وبيات، وقهوة ماما، وطابون عين ماهل وبعد.

وتعد قرى ومدن منطقة المثلث كذلك واجهة تجارية رئيسية لليهود، خاصة سكان مدن وسط إسرائيل، مثل: نتانيا والخضيرة وهرتسليا. وتجذب هذه المنطقة المشترون لأجل أسواق الخضار والفاكهة فيها ومطاعم الشوارما والفلافل العديدة فيها، أشهرها في الطيرة والطيبة وقلنسوة. لكن هذه المنطقة تعاني في فترات معينة من تراجع في أعداد الزوار اليهود، خاصة حين تكون الأوضاع الأمنية متوترة.

وهناك كذلك قرى صغيرة تجذب اليهود خاصة من مدينة حيفا ويوكنعام والبلدات اليهودية المحاذية بها، مثل قرية دالية الكرمل وعسفيا، حيث توجد أسواق تجارية خاصة في أيام السبت وكذلك متاجر أصبحت تزيد من بضاعتها من أجل جذب العدد الأكبر من اليهود إليها. وقد ازدادت في السنوات الأخيرة أعداد المنازل التي يمكن للزوار أن ينزلوا فيها للمبيت.

ونلخص بالمثل العربي المعروف "مصائب قوم عند قوم فوائد"، فإذا كانت القوى السياسية في إسرائيل في الراهن تهدف إلى تعزيز الهوية اليهودية في إسرائيل، فلا شك أن ذلك سيعود بالنفع على المتاجر العربية التي بحاجة إلى استثمار اليهود فيها.