يظهر حاخام يهودي راكعا على ركبتيه، ومنحنيا. وتظهر خلفه يد خفية تضغط على الزناد، فتخترق رصاصة رأسه. عندها يبدأ ينزف دما من جبينه، وتطير نظاراته إلى الأمام فوق أنفه الكبير والمعقوف. هذا ما يظهر في كاريكاتير معاد للسامية بشكل واضح تم إرساله إلى الصحفية جوليا يوفا، من بين مئات رسائل البريد الإلكتروني وكتابات الازدراء التي تلقتها بعد أن نشرت مقالا لا يثني على ميلانيا ترامب، زوجة المرشح الجمهوري للرئاسة، دونالد ترامب، في شهر نيسان الأخير.

منذ ذلك الحين، مجددا يقول صحفيون أمريكيون يهود، يتضامن معظمهم مع الحزب الديمقراطي، إنّه ردا على كل مقال يكتبونه عن ترامب، يمتلئ بريدهم الإلكتروني الوارد بمجموعة متنوعة من الشتائم والتهديدات المعادية للسامية. والأكثر إزعاجا من ذلك، أنّ التعليقات القبيحة المعادية للسامية لا ترد إليهم فحسب، وإنما في صفحات الفيس بوك وبشكل علني في تويتر، من قبل مستخدمين لا يخفون أسماءهم وأوجههم، من دون أي خجل أو خوف.

"إنّ ترشّح ترامب قد أخرج شياطين معادية للسامية من مخبئها محفزا عناصر من النازيين الجدد... على أن تخرج علنا. حتى لو اختفى ترامب، فإنّ معادي السامية الذين رفعوا رؤوسهم بفضله لن يختفوا في أعقابه بسرعة"، كما كتب محلل إسرائيلي هذا الأسبوع. وكتب صحفي أمريكي: "إذا كنت يهوديا، فعليك أن تخاف من ترامب".

وحقا، يمكن أن نجد في النواة الصلبة لمؤيدي ترامب، الكثير جدا من اليمينيين - المحافظين، الذي ينتمي بعضهم بفخر إلى منظمة الكراهية "كو كلوكس كلان"، ولا يترددون في معاداة السامية ويستخدمونها لتعزيز مكانة ترامب في رئاسة الولايات المتحدة.

"جيش ترامب المعادي للسامية" (AFP)

"جيش ترامب المعادي للسامية" (AFP)

والأبرز من بينهم هو ديفيد ديوك، مرشح الحزب الجمهوري لمنصب سيناتور في لويزيانا. نظرة سريعة في صفحة ديفيد ديوك على تويتر توضّح جيدا إلى أية درجة هذه الظاهرة خطيرة. يمكن أن نجد، من بين أمور أخرى، تهما ضدّ يهود الولايات المتحدة حول الولاء المزدوج، ادعاءات تقليدية معادية للسامية بخصوص حب اليهود لكسب المال، والمزيد من مثل هذه الاتهامات البشعة ضدّ كل يهودي يختار عدم دعم دونالد ترامب. كل واحدة من تغريدات ديفيد القبيحة يمكنها أن تحظى بمئات الإعجابات وعدد غير قليل من المشاركات. وغني عن البيان، أنّه من بين مجموعة التغريدات المعادية للسامية، يمكننا أن نجد عددا غير قليل من التغريدات المهينة للمسلمين، السود، النسويات، المكسيكيين، والمثليين، أو كل من ليس رجلا أمريكيا أبيض، مسيحيا، ومحافظا.

وقد اختار ترامب ذاته عدم التعبير عن موقفه في هذا الموضوع. ولكن يتفاخر بابنته إيفانكا، التي تهوّدت وتزوجت يهوديا، ويعلن ثانية أنّ برنامجه مؤيّد لإسرائيل. وفي المقابل، فهو يرفض إدانة مظاهر معاداة السامية لدى مؤيديه ولا يستنكرها، لأسباب واضحة.

وقد تم الإمساك به في الماضي مُصرحًا بعدة فلتات لسان ذات طابع معاد للسامية (على سبيل المثال، عندما تندّر على كون اليهود يحبون إجراء الصفقات، عندما كان في غرفة مليئة باليهود). بل إنّ المقر الرسمي لترامب نشر صورة تسعى إلى رسم هيلاري كلينتون كفاسدة شجعة، وراءها جبال من المال، ونجمة داود الحمراء أيضا. في وقت لاحق حُذفت الصورة من موقع الحملة، وبدلا منها رُفِعت صورة جديدة بُدّلت فيها نجمة داود بدائرة، ولكن الرسالة المعادية للسامية كانت قد نُقلت.

هناك معطى آخر مزعج، وهو أن حملة ترامب مدعومة من قبل جميع المنظمات المعادية للسامية والنازيين الجدد في أمريكا. كل تلك الرسائل المفعمة بالكراهية للصحفيين اليهود الذين يكتبون ضدّ ترامب ليست مصادفة، والكثير منها مُلاءم بشكل جيد من قبل نشطاء كل اهتمامه هو البحث عن أرضية خصبة لنشر كراهية الأجانب التي يكنها ترامب، التهديد، الإخافة، وإسماع صوتهم في الإنترنت. كلما كان الاستفزاز أشدّ، ينجح في تصدّر المزيد من العناوين، وهذا ما يحاول مؤيدو ترامب تحقيقه. تبنى النشطاء أسلوب ترامب البارز وغير الاعتذاري، وليس فقط أنهم لا يخجلون من إطلاق عبارات الكراهية، وإنما يفخرون بها.

في الواقع، بعد سنوات من اختفاء معاداة السامية، يبدو أنّه يمكن القول اليوم بالتأكيد أنها قد عادت إلى المجال العام في الولايات المتحدة. برعاية منظومة الانتخابات الحالية لرئاسة الولايات المتحدة، وباستخدام مواقع التواصل الاجتماعي، فإنّ كراهية اليهود التي ظهرت في الماضي أصبحت مكشوفة أمام الجميع، ونشطة من دون أي خجل. حتى اليوم، فهي تنشط في مجال الإنترنت فقط. وبشكل مرعب جدا، هناك من يتوقع أنه ليس بعيدا ذلك اليوم الذي سيخاف فيه اليهود من المشي في كبرى الشوارع الديمقراطية في العالم.