مَن لا يعرف المجتمَع الإسرائيلي يصعب عليه فهم أجواء الحزن والصعوبات التي بدأت تسيطر شيئا فشيئا، على شوارع مدن إسرائيل منذ ساعات الصباح الباكرة. اليوم (الأحد) مساء، ستُجرى مراسم تخليد ذكرى الجنود الإسرائيليين الذي سقطوا في الحروب على مر التاريخ، منذ إقامة دولة إسرائيل العصرية.

دُشن اليوم صباحا (الأحد) أيضا موقع الذكرى الوطني لضحايا حروب إسرائيل على مر الأجيال في القدس. بُني الموقع الجديد على شكل جبل مصنوع من حجر يصل طوله إلى 18 مترا، وفيه أكثر من 23500 ألواح حجرية يحمل كل منها اسم الجندي الذي قُتل في إحدى الحروب أو المعارك العسكرية وكذلك التاريخ الذي سقط فيه. وُضعت إلى جانب كل حجر لوحي شمعة تشتعل تلقائيّا في ذكرى اليوم الذي سقط فيه الجندي. يصل طول حائط الذكرى الجديد إلى 260 مترا.

مبنى تخليد ذكرى الجنود الجديد في جبل هرتسل:

الأيام الأولى لتخليد ذكرى الضحايا

كان تخليد ذكرى الضحايا محاولة لمنح الضحايا طابعا أبديا، لتخليد ذكراهم، وتعزيز العمل البطولي الذي قاموا به من أجل الوطن أو فكرة سامية حتى وإن لم تتحقق.

يتضمن ذكرى تخليد الضحايا الحروب والمعارك في إسرائيل تشكيلة من الطرق التي تخلد فيها مؤسسات الدولة والأشخاص الفرديون، ذكرى المقاتلين الذين حاربوا من أجل الوطن، وطرقا روحانية لمواجهة الثكل.

ما زالت تحارب إسرائيل من أجل كيانها منذ إقامتها، وبدأت حربها هذه بالاستيطان الصهيوني الذي حصد أرواح الكثير من الضحايا، الذين تم تخليد ذكراهم بطرق كثيرة (منذ عام 1873).

مبنى تخليد ذكرى الجنود الجديد في القدس (Flash90/Yonatan Sindel)

مبنى تخليد ذكرى الجنود الجديد في القدس (Flash90/Yonatan Sindel)

تعمل من قبل دولة إسرائيل وحدة لتخليد ذكرى الجنود الذين قُتلوا، وأقيمت هذه الوحدة بموجب قانون المقابر العسكرية لعام 1950، بعد مرور عامين من الإعلان عن قيام دولة إسرائيل. منذ عام 2005، تعمل الوحدة في إطار قسم العائلات وتخليد ذكرى الضحايا التابع لوزارة الأمن.

كذلك حدد الكنيست يوم ذكرى الضحايا الرسمي لضحايا معارك وحروب إسرائيل، الذي يبدأ بمراسم مركزية اليوم مساء، الأحد، بدءا من الساعة 20:00 مساء ويستمر حتى يوم غد (الإثنين) مساء في الساعة 20:00 (وعند انتهائه فورا تبدأ احتفالات عيد الاستقلال الـ 69 لدولة إسرائيل)، في قانون يوم ذكرى الضحايا لعام 1963.

شدة الحزن والألم والرغبة في تخليد ذكرى الضحايا

إن تقاليد تخليد ذكرى الضحايا في إسرائيل هي ظاهرة خاصة بإسرائيل ولا توجد ظاهرة شبيهة بها في دول أخرى في العالم، وتشير النصب التذكارية الكثيرة المنتشرة في أرجاء البلاد إلى مدى انتشار ظاهرة تخليد ذكرى ضحايا الحروب في التقاليد الإسرائيلية. حتى أن السؤال حول "عدد" النصب التذكارية ليس سهلا: تشير أبحاث أجريت بدقة حول عدد النصب التذكارية الرسمية التي بُنيت لنحو 23500 ضحايا معارك وحروب إسرائيل إلى أن هناك نحو 1500 نصب تذكاري. أي أنّ هناك نصب تذكاري واحد لكل 15 ضحية تقريبا. في أوروبا، للمقارنة، هناك نصب تذكاري واحد لكل عشرة آلاف ضحية.

نصب تذكاري في النقب (Flash90/Yossi Zamir)

نصب تذكاري في النقب (Flash90/Yossi Zamir)

ولا يدور الحديث عن النصب التذكارية فحسب: فمنذ إقامة دولة إسرائيل، عام 1948، بدأت تظهر إضافة إلى التقاليد الوطنية - الأمنية أيضا تقاليد التخليد بهدف خرط ذكرى الجنود، الذين سقطوا ضحايا عندما كانوا يدافعون عن الدولة بأرواحهم، في الذاكرة الجماعية أيضًا. إحدى الطرق الأخرى لتخليد ذكرى الجنود هي تسمية البلدات بأسمائهم أو بأسماء الحملة العسكرية التي سقطوا فيها.

وفق معطيات دائرة الإحصاء المركزية، حتى عام 2015، هناك في إسرائيل نحو 1214 بلدة. وفق الباحثين الإسرائيليين، يحمل أكثر من %10 من البلدات أسماء تذكّر بحملة عسكرية وأمنية أو تذكر بأسماء جنود سقطوا ضحايا في الحروب. إذا حذفنا من القائمة أسماء البلدات غير اليهودية، نحصل على نسبة أعلى بكثير.

توسيع مشاريع تخليد ذكرى الضحايا

حائط لذكرى الجنود الذين سقطوا في جبل هرتسل في القدس (Flash90/Yonatan Sindel)

حائط لذكرى الجنود الذين سقطوا في جبل هرتسل في القدس (Flash90/Yonatan Sindel)

في السنوات الأولى من إقامة دولة إسرائيل، في الخمسينيات والستينيات عانى المجتمَع الإسرائيلي من ثكل في المجتمَع. مات الجنود وعناصر القوى الأمنية أثناء قيامهم بعملهم موت الأبطال من أجل الوطن ومتابعة بناء البلاد. كان التوجه في المراسم الرسمية موجها للعائلات الثكلى بشكل جماعي وشدد على الأبطال الذين سقطوا ضحايا من أجل دولة إسرائيل.

بدأ التغيير في التوجه إلى العائلات الثكلى بعد حرب الأيام الستة عام ‏1967‏. كتب ليفي أشكول، الذي شغل منصب رئيس الحكومة ووزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك "ضحّى أولادنا بحياتهم... من أجل حرية الشعب، ليسود السلام، على أراضي آبائنا". كانت هذه هي المرة الأولى التي تظهر فيها كلمة "السلام" كمبرر لسقوط الجنود الشبان، ومنذ ذلك الحين بدأت تُستخدم دون توقف.

ولكن لم تتغير طريقة تخليد ذكرى الضحايا على مستوى الدولة فحسب بل تغيرت على مستوى العائلة أيضا. فإذا كان الثكل ذات مرة جماعياً، كلما مر الوقت أصبح شخصيا أكثر فأكثر. صدرت كتيبات لتخليد ذكرى الجنود الذين قُتلوا، اجتمعت العائلات في مراسم لذكرى الضحايا بشكل خاص لمشاركة الألم العائلي وحظيت قصة الجندي الخاصة، اسمه، اسم عائلته، بلدته، التعليم الذي حصل عليه، وقصة موته، باهتمام أكبر. هكذا ازداد الاهتمام بالثكل وبالحاجة إلى تخليد ذكرى الأموات أكثر فأكثر طيلة السنة.

حدائق تخليد الذكرى في القدس (Flash90/Abir Sultan)

حدائق تخليد الذكرى في القدس (Flash90/Abir Sultan)

في الثمانينيات، كان التغيير حول "ثمن القتل" وشن الحروب والعمليات العسكرية ملحوظا. بدأ رؤساء الدولة يفصّلون الأسباب لشن حروب، وحتى أنهم كانوا يفصّلون الترتيبات الأمنية والمفاوضات التي تُدار مع دول أخرى على مر السنوات، وجاء هذا كجزء من الأمل لإنهاء الحروب.

وكان عدم التحمل من جهة العائلات أثناء حرب لبنان الأولى ملحوظا أيضا. يتضح من بحوث في تلك الفترة أن حينها بدأت للمرة الأولى الاحتجاجات الخطيرة ضد موت الأبناء.‎ ‎

ما زال تخليد ذكرى الضحايا يرافق العائلات الثكلى في السنوات الأخيرة أيضا. طرق التخليد كثيرة: كتب أناشيد لذكرى الضحايا، مواقع إنترنت، إقامة جمعيات تحمل أسماء الضحايا، نصب تذكارية كثيرة، مراسم ذكرى، ماراثونات ومسابقات لذكرى الضحايا وبناء المزيد من الحدائق الوطنية لتخليد الثكل في المجال العام قدر الإمكان.