باتت حركة حماس على وشك نشر ميثاق مبادئ جديد توضح فيه طبيعة نزاعها الوطني ضد إسرائيل بحيث لا يشمل معاداة السامية والتآمر ضد اليهود، هذا وفق ادعاء قيادي في الحركة، أسامة حمدان، في مقابلة أجراها مؤخرًا في قناة الجزيرة بالإنجليزية.

يُعرّف ميثاق حماس الذي تمت صياغته في آب 1988، الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني بصفته نزاعا أبديا بين اليهود والمسلمين. فهو يرسخ الجهاد في الحديث الشهير، الذي جاء فيه "نص عن الحجر والشجر"، الذي يعرض قتال المسلمين لليهود في آخر الزمان. يصف البند 22 من الميثاق سيطرة اليهود على وسائل الإعلام العالمية وإحداث انقلابات كبيرة - بما في ذلك الثورة الفرنسية وانقلاب شيوعي من خلال تأثير اقتصادي ومياثيق سرية. وفق الوصف التاريخي لحماس فإن اليهود هم المسؤولون عن الحرب العالمية الأولى بهدف قطع وعد بلفور، وشن حرب عالمية ثانية لإقامة دولة إسرائيل.

القيادي الحمساوي، أسامة حمدان (Wikipedia/Sebastian Baryli)

القيادي الحمساوي، أسامة حمدان (Wikipedia/Sebastian Baryli)

تأتي أقوال حمدان الثورية‏‎ ‎‏والتي حُذِفت من ‏‎ ‎‏المقابلة الكاملة‏‎ ‎‏التي نُشِرت في القناة القطرية بتاريخ 27 كانون الثاني على خلفية زيادة الدعم الإقليمي لحماس (في تركيا ومصر) ومحاولتها أن تظهر بصفتها لاعبا سياسيًّا شرعيا في الغرب. تعرف عناصر حماس جيدا موقف الرباعية الدولية لشؤون الشرق الأوسط (الأمم المتحدة، الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، والاتحاد الأوروبي) التي ترفض التحدث مع حماس طالما أنها لا تعترف بإسرائيل، لا تتخلى عن النزاع المُسلّح، ولم تعترف باتفاقيات أوسلو. هناك في موقف حماس الجديد والمُعقّد محاولة لتخطي هذه الظروف الصعبة بالنسبة للحركة.

رفض حمدان الذي يحفظ الأسرار، الكشف متى من الموقع نشر الميثاق الجديد وإذا كان سيتضمن التخلي كليا عن التصريحات المعادية للسامية المذكورة في ميثاق الحركة لعام 1988. "اطرح عليّ هذا السؤال ثانية بعد نشر الميثاق"، قال.

وفق ما قاله مُجري المقابلة، مهدي حسن، فقد كان من الواضح أثناء المقابلة أن حمدان يحاول المشي على حبل دقيق: الإشارة إلى تغيير سياسي، ولكن ألا يظهر كضعيف أو أنه يسير في طريق ملتو. فقد أنكر حمدان أن حركة حماس "تدعم حل الدولتين" ولكنه وافق على أنها تدعم "إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس، ودعم حق العودة للاجئين". عندما أصر حسن أن هذا في الواقع يشكل اعترافا بحل الدولتين، رد حمدان قائلا: "يمكن أن تسمّي هذا ما تشاء [...] وعلى هذا نتفق، لا أقل ولا أكثر".

مُدركا لحديثه غير المباشر، لخص حمدان أقواله: "أود أن أوضح أن حماس تتحدث سياسيا في حين أن الآخرين لا يصغون. عليهم الإصغاء جيدا [...] والعمل بموجب ذلك، وليس بموجب أفكار مقولبة يطلقها الإسرائيليون".‎

إن حمدان ليس القيادي الأول في حركة حماس الذي يرمى قنبلة إعلامية في الآونة الأخيرة. فصرح في بداية شهر كانون الثاني نائب رئيس المكتب السياسي، موسى أبو مرزوق عن تفضيلاته لحل فيدرالي للانقسام بين غزة والضفة الغربية بدلا من محاولة التسوية الفاشلة مع فتح. في مقابلة أدت إلى ردود فعل حادة في الشارع الفلسطيني، أعلن أبو مرزوق عن استقلاليّة حماس تماما عن حركة الإخوان المسلمين، وهي علاقة ينص عليها ميثاق الحركة لعام 1988 في بدايته.

هل تعترف حماس يوماً ما بحل الدولتين؟ (Flash90/Hadas Parush)

هل تعترف حماس يوماً ما بحل الدولتين؟ (Flash90/Hadas Parush)

كان بالإمكان ملاحظة تغيير توجه حماس منذ أيلول الماضي، في خطاب رئيس المكتب السياسي المنتهية ولايته، خالد مشعل. فتحدث مشعل عن ‏‎ ‎‏نوايا حماس في إبداء المرونة السياسية لمواجهة اضطرارات الواقع (‎‏ضرورات الواقع) طالما أن هذا لا يمس بمبادئها الأساسية. (يُستخدم المصطلح ‏‎ ‎‏ضرورة‏‎ ‎في الشريعة الإسلامية كوسيلة للتسوية العملية لصالح الأمة الإسلامية، لا سيّما لوقت محدود).

وفق ما كتبه الباحث الفلسطيني، ناصر خضور‏‎ ‎‏في ورقة موقف‏‎ ‎‏نشرها ‏‎ ‎‏‏‎ا‎لمركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية - مسارات في تشرين الأول الماضي حول تغيير موقف حماس، فإن "الواقع والمنطق" الجديد لحماس يتجسدان في التقارب من مصر وإيران رغم الخلاف في الرأي السياسي والأيدولوجي بينهما، وقبول واقع التقارب بين تركيا وإسرائيل‏‎ ‎‏.‎

يمس ميثاق حماس الذي يتجاهل الحاجة إلى دولة الشعب الفلسطيني ولا يهتم أبدا في العلاقات الخارجية، في علاقات حماس الخارجية، وفق أقوال خضر. أدت هذه النقطة إلى أن يُعرّف نائب رئيس حكومة حماس، ناصر الدين الشاعر بين عامي 2006‏—‏2007، الميثاق بصفته "برنامجا دينيا من الدعوى" وليس ميثاقا سياسيًّا بمعناه التام". جعلت هذه الحقيقة وفق أقواله الميثاق غير ذي صلة منذ التسعينيات، لذلك توقفت الحركة عن طباعته مجددا.

بقي الآن أن نرى ماذا سيتضمن الميثاق الجديد، وهل سيكون قادرا على أن يجعل المجتمع العالمي ينظر إلى حماس بصفتها منظمة تحرير وطنية وليست منظمة إرهابية.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي