زاد توتر العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، على ضوء الحرب الأهلية السورية، والحرب الأهلية الأوكرانية، بين كلا القوتين العظميين بحيث أصبح يذكّرنا بذروة الحرب الباردة في الستينيات والسبعينيات. بل صعّدت روسيا في الشهر الأخير من النبرة مهددة، بشكل علني أو تلميحي، باستخدام ورقة النووي كوسيلة متاحة وفورية في أوروبا وفي الشرق الأوسط.

في الشهر الماضي أعلنت روسيا عن تجميد اتفاق مع الولايات المتحدة منذ بدء سنوات الـ 2000 لتخفيف احتياطيات البلوتونيوم المخصّب، والذي يستخدم كمادة انشطارية تلائم صناعة الأسلحة النووية. نقلت روسيا صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية إلى جيب مدينة كالينينغراد، الواقعة بين بولندا وليتوانيا في شواطئ بحر البلطيق، تهديدا واضحا على سياسة الدول الإسكندنافية وأوروبا الغربية العضوات في منظمة حلف شمال الأطلسي. بل هدد قادة روس أنّهم سيتصرّفون بشكل مماثل في الشرق الأوسط، كردّ على الصواريخ النووية الباليستية التابعة للولايات المتحدة في قاعدة إنجرليك في شرق تركيا. عندما أعلنت النرويج أنّها ستوضع في أراضيها وحدة من جنود المارينز هدّد رئيس لجنة الخارجية في البرلمان الروسي أنّه في حال مواجهة عسكرية شاملة مع الدول العضوة في حلف شمال الأطلسي لن تتردّد روسيا في استخدام "السلاح الاستراتيجي" ضدّ أهداف نرويجية.

هذه الإجراءات الروسية ليست غريبة عن الاستراتيجية السوفييتية منذ أيام الحرب الباردة، حينها تم نقل أسلحة نووية إلى ساحات جديدة، وأطلقَت تصريحات مباشرة أو غير مباشرة لاستخدام السلاح النووي، كوسيلة مقبولة لتحقيق أهداف في السياسة الخارجية والأمنية. في تشرين الثاني عام 1956 أرسل رئيس الحكومة السوفييتية، نيكولاي بولكانين، رسالة إلى رئيس الحكومة الإسرائيلي، دافيد بن غوريون، تضمنت تهديدا مبطنا لاستخدام السلاح النووي. أثرت الرسالة في قرار بن غوريون سحب قوات الجيش الإسرائيلي من شبه جزيرة سيناء، التي احتلتها في "عملية قادش". في صيف 1962 وضعتْ في كوبا صواريخ باليستية سوفييتية قادرة على حمل رؤوس حربية نووية، كردّ على وضع صواريخ باليستية نووية أمريكية في تركيا. انتهت الأزمة بالاتفاق بين القوتين العظميين الذي يلتزم الاتحاد السوفياتي بحسبه بأن يفكك قواعد الصواريخ وسحب الصواريخ الباليستية من كوبا، وتُخلي الولايات المتحدة الصواريخ الباليستية النووية من تركيا.

إن وضع سلاح نووي روسي في الشرق الأوسط في العصر الحالي سيكون ليس تحدّيا دراماتيكيا، هو الأول من نوعه منذ الحرب الباردة، للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط فحسب، وإنما أيضًا دعامة أخرى في تأسيس الوجود والنفوذ الروسي في سوريا ومصر، اللتين كانتا الحليفتين العربيّتين الأقرب إلى الاتّحاد السوفياتي. ومن المستحسن أن نذكر أنّ روسيا تستخدم في السنوات الأخيرة بشكل مكثّف أيضًا ورقة النووي المدني في الشرق الأوسط. فقد وقعت في السنة الماضية على اتفاقات مع مصر والأردن لإقامة ما لا يقل عن ستة مفاعلات نووية (إقامة أربعة في مصر ومفاعلين نوويين في الأردن) لأغراض توليد الكهرباء والاستخدامات المدنية العلمية الأخرى. وقد وقعت روسيا مع المملكة العربية السعودية على اتفاق تفاهمات على إدارة برنامج نووي مدني لتلك القوة السنية.

إذا أدخلت روسيا فعلا السلاح النووي إلى الشرق الأوسط، فإنّ دولا مثل مصر، السعودية، وتركيا قد تطالب بامتلاك هذا السلاح أيضًا. رغم أنّ روسيا ليست قوة عظمى معادية لهذه الدول، إلا أن السلاح الذي ستدخله سيعزّز من العنف، عدم الاستقرار وعدم الوثوقية الموجودة فعليا في المنطقة. في إسرائيل أيضا ربّما تتم إعادة النظر من جديد في سياسة الغموض التقليدية الخاصة بها.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي.