في مؤتمر هرتسليا قبل 8 سنوات تقريبا، عرض زعيم المعارضة آنذاك، عضو الكنيست بنيامين نتنياهو رؤيته السياسية - الاقتصادية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني في إطار برنامج أطلق عليه "السلام الاقتصادي". وقال نتنياهو في المؤتمر "يشكل السلام الاقتصادي فرصة لصنع السلام السياسي في وقت لاحق"، مشيرا إلى أنه لا يحل مشكلة التطلعات الوطنية، ولكنه من المفترض أن يسمح بالتوصل إلى حوار حول التطلعات الوطنية بشكل أفضل". كان هدف خطة نتنياهو بسيطا: كلما كانت جودة حياة الفلسطينيين أفضل، تنخفض احتمالات تصعيد النزاع أكثر، وبالتالي ينشأ تقارب بين الإسرائيليين والفلسطينيين ويتطور مستقبل أفضل قد يتم فيه التوصل إلى الحل الحقيقي للصراع - وهو حل يمكن تحقيقه ميدانيا. يجري الحديث عن توجه يسعى إلى السماح للحلول بالتطور ميدانيا، وعادة يرفض الحلول التي تُفرض من الأعلى، حتى في المجالات السياسة الأخرى.

وفي وقت قصير، أعلن العديد من الخبراء أنه لا فرصة للخطة لأنها لم تأخذ بعين الاعتبار الأيديولوجية الفلسطينية الضرورية لتحقيق هدفها. وقد حدد منتقدو نتنياهو أن الاعتقاد بأن القضايا الاقتصادية يمكن أن تؤثر في تطور المفاوضات التي كانت نقاط الخلاف فيها عميقة جدا، ساذج. بالإضافة إلى ذلك، ادعى بعض الخبراء أنه إذا كان هناك تأثير اقتصادي على الإرهاب، فقد يكون عكسيا - يمكن أن تؤدي الفترة الاقتصادية الجيدة تحديدا إلى زيادة تطلعات الاستقلال والقدرات الاقتصادية التي تشكل البنية التحتية الضرورية لتنفيذ الهجمات الإرهابية والكفاح ضد إسرائيل.

وسعى السلام الاقتصادي المقترح إلى إقامة تجارة حرة بين إسرائيل والفلسطينيين في الضفة الغربية، فضلا عن تحقيق الازدهار الاقتصادي المتبادل من خلال الليبرالية الاقتصادية الفلسطينية ودفع الاقتصاد نحو السوق الحر، مع الحد من البيروقراطية والفساد. تشكل السيطرة الأمنية الإسرائيلية في عمق المنطقة وعلى المعابر التي تمكّن مرور البضائع والعمال في كلا جانبي الخط الأخضر مفتاحا لكل هذه الأهداف.

الدرع الاقتصادي يتطور مع مرور الوقت

يشكل الوقت عاملا هاما في السلام الاقتصادي. يرفض هذا التصوّر الذي يسعى إلى إقامة علاقات طبيعية بين الجيران، بطبيعة الحال، خططا عظيمة مثل خطة "الشرق الأوسط الجديد" من وجهة نظر شمعون بيريس. تمثل خطة السلام الاقتصادي في الواقع الجانب الآخر من "إدارة الصراع"، وهي تسعى إلى إدارة السلام بدقة، وبعناية مع مرور الوقت. إن السلام المنشود في المرحلة الأولى يهدف بشكل أساسي إلى انعدام الحرب ومنع التدهور الأمني. ويمكن أن تؤدي هذه الفترة المستمرة إلى تحسن متتال في جودة حياة كل السكان الذين يعيشون بين الأردن والبحر. ومنذ طرح خطة السلام الاقتصادية للمرة الأولى، لم نسمع سوى القليل جدا عنها، ويبدو أنها تتقدم ببطء، إن كانت تتقدم أصلا. الآن، حان الوقت لطرح السؤال - ماذا كان مصير الخطة وهل نُفذَت ميدانيا؟

إن العلاقة الاقتصادية الأهم بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية هي في مجال التشغيل - يعمل حاليا أكثر من 100 ألف عامل فلسطيني في الاقتصاد الإسرائيلي. يعمل زهاء 73 ألف من بينهم داخل منطقة الخط الأخضر و 32 ألف آخرين في الضفة الغربية. هذا العدد ضخم، ويقترب من عدد العمال الفلسطينيين الذين عملوا في إسرائيل عشية الانتفاضة الأولى (نحو 109 ألف). يكسب الفلسطينيون الذين يعملون في إسرائيل ما يعادل مرتين ونصف الأجر مقارنة براتب العامل الذي يعمل العمل ذاته في السلطة الفلسطينية. لهذا يمكن أن نفهم لماذا تشهد المعابر الحدودية طوابير طويلة في الساعة الرابعة صباحا في منطقة الضفة الغربية. إن حجم تصاريح العمل للفلسطينيين في إسرائيل يتزايد باطراد منذ عام 2009، وذلك في أعقاب الضغط الأمريكي أيضا. ومع ذلك، إضافة إلى الفلسطينيين الذين يدخلون إلى إسرائيل بموجب تصاريح، هناك ظاهرة واسعة الانتشار للفلسطينيين غير الشرعيين الذين يدخلون إلى إسرائيل، وهي تشكل تحديا بشأن نجاعة الجدار الأمني والسيطرة الإسرائيلية على المنطقة.

كذلك تأثر المفهوم الأمني الإسرائيلي بنموذج السلام الاقتصادي، وقد أصبح اليوم يستخدم العقاب الجماعي أقل في أعقاب الحوادث الأمنية. ويعمل الجيش الإسرائيلي على السماح بممارسة حياة طبيعية في البلدات والقرى الفلسطينية قدر المستطاع، ويبذل قصارى جهده للتعرّف إلى الإرهابيين ومنع الهجوم مسبقا باستخدام معلومات استخباراتية دقيقة. في الماضي، كان الرد على الهجوم يرد من قرية معينة، فرض حصار عشوائي، ولكن في يومنا هذا هناك حاجة إلى التضييق على حلقة أصغر وهو يقتصر على الأسرة ودائرة الدعم المحدودة. الرسالة إلى السكان الفلسطينيين واضحة - إذا كنتم تريدون العيش بسلام، ستحصلون على كل الظروف الممكنة من أجل التقدم، دون أن تعاقبوا بسبب أعمال الآخرين. ومع ذلك، إذا حاولتم إلحاق الضرر بعلاقات الجيرة الطبيعية والإضرار بأية طريقة، سواء كان ذلك عمليا أو دعما مباشرا لهذه الأعمال، فلن يتم التسامح بهذه الأعمال.

وينبع هذا التوجه من التصوّر الاستراتيجي الخاص بالجيش الإسرائيلي وهو أن السيطرة على المنطقة أفضل من الحصار التام. يسيطر الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن جيدا على ما يحدث في الضفة الغربية. لا تأتي هذه السيطرة على حساب الحرية النسبية والازدهار اللذين يتمتع بهما سكان السلطة الفلسطينية، في إطار القيود الأمنية الضرورية. وتبين من التجارب أنه عندما يسيطر الجيش الإسرائيلي على حدود منطقة معيّنة، فإن قدرات الاستخبارات والمناورة في المنطقة تتضرر بشدة. وفي مثل هذه الحالات، لا يسيطر الجيش الإسرائيلي على ما يحدث داخل المنطقة المحاصرة، وبالتالي تصبح المنطقة أرضا خصبة للإرهاب.

دراسة الحالة – غزة مقارنة بالضفة الغربية

إن إدارة هذه العلاقة الاقتصادية - الأمنية معقدة، وهناك العديد من الصعوبات التي تهدد الإنجازات التي تحققت بعد بذل جهود كثيرة. ومع ذلك، يمكن رؤية النتائج الإيجابية بسهولة بالمقارنة مع السكان من ذات المجموعة الذين اختاروا إقامة علاقات معاكسة مع دولة إسرائيل - الفلسطينيون الذين يعيشون في الضفة الغربية مقابل أولئك الذين يعيشون في غزة.

ومنذ فك الارتباط في عام 2005، انقطعت العلاقات الاقتصادية بين غزة وإسرائيل، وكل ما تبقى هو الدعم الإنساني الإسرائيلي لقطاع غزة. وكما ذُكر آنفًا، من أجل إقامة علاقات اقتصادية سليمة بين إسرائيل والفلسطينيين، هناك حاجة واضحة إلى السيطرة الأمنية الإسرائيلية ميدانيا. وهذا هو السبب وراء اختفاء مبادرة العلاقات التجارية والاقتصادية بين غزة وإسرائيل فورا تقريبا بعد محاولة إقامتها.

اقتصاديا، فإن الوضع في قطاع غزة صعب جدا - فهو يشهد زيادة في الكثافة السكانية، الفساد في أنظمة الحكم، وبطالة تزيد عن %40. إن هذا الوضع الاقتصادي الهش وغير المستقر يتماشى مع أيديولوجية حماس الضارة، مما يجعلها شعبية بين الشباب العاطلين عن العمل في غزة. إن المجال الاقتصادي الوحيد الذي يقف أمام شبان غزة (غير المقربين من هنية) هو النجاح في شن هجوم من أجل الحصول على راتب شهري طيلة حياتهم من حكومة حماس. وكما هو معلوم، فإن السلطة الفلسطينية تقدم أيضا مخصصات كهذه لعائلات الشهداء، ولكن يختار هذه الطريقة شبان أقل مقارنة بشبان غزة. وهنا يمكن أن نرى بوضوح تأثير السلام الاقتصادي وتحسن جودة الحياة السائدة في السنوات الأخيرة في الضفة الغربية.

في الواقع، لا يزال هناك شبان متأثرون سلبا من التحريض لهذا يشنون هجمات دون أية صلة بوضعهم الاقتصادي أو وضع عائلتهم. غير أن جزءا كبيرا من العنف لم يعد منتشرا في أعقاب التحسن المتزايد في أوساط الفلسطينيين العاديين الذين يعيشون في الضفة الغربية. ووفقا لخبراء الأمن، فإن أحد الأسباب الرئيسية لقدرة الجيش الإسرائيلي على التعامل مع موجات الإرهاب ومنع موجة كبيرة أخرى يعود إلى تحسن الوضع الاقتصادي للسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية. ببساطة، قد يخسرون كثيرا.

وماذا سيكون مصير غزة؟ هل هناك مخرج من هذه الأوضاع الاقتصادية - الأمنية الرديئة فيها؟ وفق رأي وزير النقل ووزير شؤون الاستخبارات الإسرائيلية، فالإجابة نعم. فقد عرض الوزير في شهر أيار الماضي خطة لتحسين العلاقات الاقتصادية مع غزة من أجل إخراج قطاع غزة من الأزمة الاقتصادية ومحاولة إقامة علاقات أمنية ودبلوماسية أفضل. وهكذا، إذا كان هناك شيء واحد يمكن أن نكون متأكدين بكونه شرطا مسبقا لنجاح هذه الخطة فهو: السيطرة الأمنية الإسرائيلية أولا.

هذه المقالة مترجمة من موقع "ميدا" حيث ظهرت لأول مرة