"لماذا تحتاج إلى غوّاصات" سأل مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى شريكه في الحديث. "أنت رئيس مصر"، أي رئيس "أم الدنيا" كما تسمونها. أنت لست معرضا لأي خطر خارجي حقيقي. ونحن الإسرائيليون نساعدكم على مواجهة الخطر القليل المتبقي، على مواجهة داعش في سيناء. إسرائيل عنوانك الوحيد لسباق التسلح هذا. "نحن لا نفهم لماذا".

لماذا يحتاج السيسي حقا، زعيم أمة تعدادها أكثر من 90 مليون مواطن تعاني من ضائقة اقتصادية خطيرة ومتواصلة إلى هذه الأسلحة؟ لمحاربة ليبيا؟ السودان؟ داعش في سيناء - تتحمل إسرائيل محاربة 1000 عنصر من داعش ويشكل هذا جزءا كبيرا من عبء مواجهة عناصر داعش؟

هناك مَن يقول إن السيسي "ناصري" يعتقد أن مصر دولة عظمى إقليمية وأن إسرائيل هي دولة عظمى كبيرة تقف مقابلها.

ولكن من الصعب تجاهل الطريق الطويلة التي مر بها السيسي، ولحاق الكثير من المصريين نهجه، فيما يتعلق بإسرائيل في السنوات الماضية. لقد بدأ كل شيء عندما وصل السيسي إلى الحكم بالقوة، بعد أن خلع الرئيس مرسي، وهاجم الإخوان المسلمين في مصر. تعرفت إسرائيل إلى الفرصة الكامنة، وأبدت مسؤوليتها، وساعدت الجنرال بكل الطرق الممكنة. بدءا من اللوبي في واشنطن وحتى تقديم المساعدة الاستخباراتية الحقيقة. من جهته، شن السيسي حربا قاسية وعمل على نزعة شرعية حماس بشكل تام، وغير نبتره وتعامله تجاه إسرائيل، وتجسد هذا التغيير في أقواله وفي وسائل الإعلام المتماهية معه.

ولكن الأحداث تتغيّر. ما زال حكم السيسي مستقرا رغم عدم تحسّن الوضع الاقتصادي. فهو يحظى في واشنطن في عهد ترامب بتأييد كبير، بعد أن كان منبوذا أيام إدارة أوباما (رغم أنه يثير في هذه الأيام غضب الكثيرين في واشنطن بسبب الأسلحة التي يصر على شرائها من كوريا الشمالية). في هذه الأيام، يدفع السيسي سياسته الخارجية قدما، بشكل يتماشى مع المصالح المتغيّرة في الشرق الأوسط. بكلمات أخرى: يخرج السيسي من مخبئه، يتنفس الصعداء كثيرا، ويستعيد تقاليد دبلوماسيّة من عهد مبارك.

مثلا، قراره إيقاف مقاطعة حماس والعودة إلى سياسة تقليدية أكثر تسعى إلى إبقاء هذه الحركة قريبة من مصر بهدف السيطرة عليها. من المفترض أن السيسي ما زال يكره هذه المنظمة، ويؤمن أنها جزءا لا يتجزأ من الإخوان المسلمين وحتى أنها تساعد داعش في سيناء. رغم هذا توصلت مصر إلى الاستنتاج أن الحصار المفروض على غزة بسبب إغلاق معبر رفح ومقاطعة حماس، يلحقان ضررا بالمصالح المصرية أكثر من الفائدة. كما هو معروف، تكمن قدرة مصر في الحلبة الدولية أيضا لكونها قادرة على أن تكون وسيطا بين إسرائيل وحماس عند الحاجة. سعت قطر إلى ملء هذا الفراغ الذي برز بشكل خاص، من بين أمور أخرى، أثناء الحرب الأخيرة على غزة. إلا أن السيسي قرر ألا يترك الساحة الخلفية التابعة لمصر، قطاع غزة، للسيطرة التركية، القطرية، والإيرانية، فأوعز للمخابرات الاهتمام بهذه القضية بشكل فعال، بعد سنوات من الغياب الجزئي، تماما كما كان في عهد مبارك. بالمناسبة، لدى السيسي علاقات جدية مع دحلان، وهو يحاول السيطرة أيضا على مزاج أبو مازن وينجح جزئيًّا.

كانت احتفالات المصالحة الفلسطينية في وسائل الإعلام المصرية مثيرة للانفعال أكثر منها في وسائل الإعلام الفلسطينية، فوصل الصحافيون المصريون إلى غزة وكأن الحديث يجري عن احتفال تاريخي وليس عن حدث آخر من محاولات التسوية التي انتهت بالفشل الذريع حتى الآن. وحقا، كما اتضح بعد انتهاء الاحتفالات، ورغم الحاجة الملحّة إلى أن يتخلص يحيى السنوار من عبء سكان غزة، يبدو أن المصالحة ما زالت بعيدة.

يعتقد السيسي أن الحديث يجري عن انتصار دون شك، وأن مصر أصبحت لاعبا رئيسيا في الحلبة الفلسطينية مجددا، وهكذا تزداد أهمية علاقتها مع إسرائيل أكثر. "تشكل المصالحة الفلسطينية خطوة أولى في الطريق نحو السلام مع إسرائيل"، قال السيسي. حتى صنع السلام، يبدو أن السيسي سيستفيد من هذا الصراع أيضا.