مقتل السفير الروسي في تركيا، مساء أمس الاثنين، على يد شرطي تركي في وحدة مكافحة الشغب التركية، بأسلوب بعيد عن العمليات الإرهابية، التي غالبا ما تكون بعمل انتحاري أو بعبوات ناسفة، يثير تساؤلات كثيرة. أبرزها، مَن الذي قتل السفير الروسي بالفعل؟ وما هي تبعات هذه الحادثة على مختلف الأصعدة، سواء الإقليمية أو الدولية؟

وكانت العلاقات الروسية - التركية قد شهدت تحسنا بعد حادثة مقتل الطيار الروسي، الذي أسقط الجيش التركي طائرته، قبل عدة شهور، وخلّف أزمة سياسية كادت أن تنهي العلاقات بين الدولتين حينها. واليوم يُقتل السفير الروسي بهذه الطريقة، وأمام وسائل الإعلام، مما يرسل رسالة سلبية للعالم عن الحكومة التركية، لأنها غير قادرة على حماية دبلوماسي رفيع المستوى من القتل في بلادها.

لذلك نعتقد أنه ليس لتركيا أية مصلحة أو غاية في قتل هذا السفير بهذه المكانة، من حيث الزمان والمكان، بل على العكس، فهذا يضرها أكثر من غيرها، فلو أرادت أن تقتله؛ فما هي مصلحتها في ذلك؟ وإن كانت لها مصلحة، فإنها تستطيع أن تقضي عليه بطرق ووسائل التنظيمات الإرهابية، وبذلك تبعد الشبهة عنها.

الاحتمالات المفترضة لتبعية القاتل ومن يقف خلفه متعددة، والأول هو تركيا وقد بينّا أن لا مصلحة لها في ذلك، فهذا مستبعد. الخيار الثاني هو أن يكون هذا الحادث عملاً إرهابيًا، وهذا أيضًا مستبعد؛ لكون الإرهاب له أسلوبه وأدواته المعروفة، والتي يريد أن يقتل فيها أكبر عدد من الضحايا، فليس لدى الإرهابي فرق بين السفير والشرطي فكلهم كفرة ويستحقون القتل بنظره.

أما الخيار الثالث فهو أنّ من يقف خلف هذه العملية هي مخابرات دولية، تريد إشعال النار بين تركيا وروسيا، خاصة بعد التقارب الذي شهدته هذه العلاقات في الفترة الأخيرة، وأثره على تراجع الإرهابيين في سورية، ونجاح النظام في استعادة السيطرة على ثاني أكبر المدن السورية، مدينة حلب.

أما الخيار الأخير فهو أن يكون هذا الشرطي، الذي أقدم على فعل هذه العملية، شاباً مؤدلجًا، وتابعا لبعض التيارات المتشددة، الداعمة للمعارضة السورية، والتي هُزمت وتراجعت كثيراً في سورية، وما يساعد على صحة هذا الخيار هو هتاف القاتل أثناء عمليته، بالثأر لحلب وسورية.

والمستفيدون من هذه العملية ينقسمون لمحورين، الأول، وقد يكونوا هم خلف هذه العملية، توقعوا وتمنوا خراب العلاقات الروسية - التركية، وانشغال الدولتين بالصراعات فيما بينهما، وهذا ما تريده الولايات المتحدة الأمريكية، وحلفاؤها الخليجيون والغربيون.

أما روسيا فقد فقدت رجلًا دبلوماسيًا منها، لكنها كسبت ملفًا سيكون عونًا لها في مباحثاتها وصراعها، مع الدول العالمية الكبرى في مجلس الأمن، وستجعل من هذه الحادثة دافعًا لها، لزيادة الدعم السياسي والعسكري للنظام السوري.

أخيراً، أيّا كان المنفذ، فإن العملية هذه أحرجت تركيا أمام العالم، وأساءت لسمعتها الأمنية، وأما روسيا فستعزز من دعمها للنظام السوري، وعدائها للمعارضة، وليس هناك ما نقوله، سوى على الإرهابيين في سورية، أن ينتظروا الرد الروسي على مقتل هذا السفير، لأنه سيكون حتميًا وحازمًا.