عقود من الحديث عن حقوق النساء أزاحت جنبا الحديث عن حقوق الرجل. هذا أدى إلى حالة ضيعان هوية لدى الرجال في العالم وفي إسرائيل بالذات. فالرجل الإسرائيلي يحاول أن يوفق بين أدوار عديدة من المفروض أن يجيدها لكن النتيجة هي أنه ضل الطريق. كيف حدث هذا؟ وماذا يفعل الرجال الضاليين ليواجهوا مأزق العصر؟

في ما يتعلق بالرجل الإسرائيلي الجديد، فهو يتمزق بين ضرورة كونه المعيل الرئيس للعائلة وبين التوقع أن يكون أبا جديا ومتفهما. "كان الأب مرة يذهب إلى العمل ويعود بعد مغيب الشمس. وبهذا انتهى دوره. أما اليوم فهو يذهب إلى العمل ويضطر إلى ترك عمله لإحضار الأولاد من المدرسة، وإن لم يفعل ذلك فهو ليس أبا جيدا" يشهد أب إسرائيلي.

هوية في مأزق

لم يعد الرجل في السنوات الأخيرة سيدا لنفسه ولمصيره. العدو وراء المهام العديدة المنوطة بوظيفة الأب تحولت إلى عبء يدفع الرجال إلى اليأس. العالم أحادي البعد الذي تعوّد عليه الرجال في الماضي، أي العمل أو الصيد، اندثر شيئا فشيئا واليوم يضطر الرجال إلى "المراكضة" بين أكثر من حلبة لكي يتدبوا أمورهم وأمور عائلاتهم.

تقول الفيلسوفة الأمريكية المعروفة، جوديث بتلر، في وصفها لأزمة الرجال، "لم يعد الرجال يتصرفون مثل الرجال، إنما هم منشغلون بالتصرف كما يجب عليهم التصرف".

رجال يواسون واحد الآخر ضمن نشاطات حركة "شيفا" الإسرائيلية المعنية بتطوير الوعي النسائي لدى الرجال (فيسبوك)

وقد ذهب بعض المشاهير الذين شاركوا في تحقيق مطول للملحق الثقافي بصحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى وصف حالة الرجل في الراهن بأنها حالة من الضيعان والتشتت. "كثير من الرجال في إسرائيل ضلوا الطريق ونسوا ما معنى أن يكونوا رجلا. حتى أن الأبحاث العلمية تؤكد ذلك، فوقف أحدث الأبحاث الخصوبة لدى الرجال في حالة تراجع مقلقة" أوضح أحدهم.

من مظاهر هذا الضيعان ظهور نموذج الرجل "المترو سكسوال" في العالم الغربي وانتشار الظاهرة في العالم كافة، والمقصود بهذا النموذج الرجولي الرجل الذي يعتني بمظهره الخارجي مثل النساء، فإن كان على الرجل في الماضي أن يلائم بين ألوان ملابسه وبهذا انتهى الأمر، فالرجل المترو يهتم ببشرته لتكون ناعمة ويزيل شعر جسده ليكون ملسا، لكن دون التخلي عن ذكورتهم.

ماذا أدى إلى هذا المأزق لدى الرجال؟

لو نظرنا إلى الحالة الخاصة وهي الرجل الإسرائيلي فهناك أسباب تنطبق عليه دون غيره، مثل الخدمة العسكرية الإلزامية في إسرائيل، ومشاركة معظم الرجال في خدمة الاحتياط وفي الحروب. تسبب هذه الخدمة الاضطراب في تصرفات الرجال، ففي إطار الجيش عليهم أن يظهروا قوتهم وخشونتهم، لكن بعد أن يتركوا الجيش التوقعات منهم تتغير، إذ عليهم أن يكونوا لطفاء وحساسين، وهذا يخلق حالة من التخبط لدى الرجال الإسرائيليين.

سبب آخر عظيم في وصول الرجال إلى حالة من التخبط حيال هويتهم هو صعود الحركات النسوية التي وضعت المرأة في قلب الخطاب العام وأطاحت بقضية الرجل إلى الهامش. لا جدل طبعا في أن قضية المرأة ما زالت القضية العادلة بين القضيتين، لأنها هي التي ما زالت تعاني من التمييز والإقصاء وتتعرض إلى المضايقات الجنسية، لكن النتيجة هي إهمال قضية الرجل كليا وعدم الحديث عن مكانته الجديدة.

والعائق الأكبر في وجه نضال الرجال من أجل الحصول على حقوقهم وتعريف مكانتهم الجديدة بأنفسهم، هو الرجال أنفسهم، فخلافا للسناء اللاتي يحببن الثرثرة ويقدرن على الاجتماع بسهولة في جمعيات من أجل المطالبة بالحقوق، يفضل الرجال الصمت ولا يحبون فكرة الاجتماع تحت إطار واحد بهدف النضال من أجل نيل حقوقهم مثل الحق في أن يكونا آباء، والحق في أن لا يكونوا المعيل الوحيد في البيت، والحق في قضاء الوقت مع الأولاد.

 

جانب من نشاطات حركة "شيفا" للرجال (فيسبوك)

فرسان يخلعون الدروع

يدفع التغيير في مكانة الرجل كثيرون إلى المواجهة بدل الدخول إلى دوامة الهوية. فبعد انتشار حملة METOO# وعلو صوت العديد من النساء في العالم وخروجهن عن الصمت بالنسبة للتحرشات الجنسية التي عانوا منها من رجال في مناصب عالية، هناك رجال يعترفون أن المجتمع كان متسامحا معهم في الماضي أكثر مما يجب، فتراهم اليوم يقفون ضد رجال متحرشين ولا يدافعون عنهم.

وحسب وصف أحد الرجال "حملة METOO# كشفت عن جانب مظلم لدى الرجال كان المتجمع يتكتم عنه في الماضي. أما اليوم فعلينا الاعتراف بأننا سمحنا لأنفسنا – أي التحرش بالنساء- زيادة عن اللزوم ويجب علينا أن نتوقف عن ذلك، لا أن نهاجم النساء لأنهن قررن كسر الصمت ومحاسبتنا".

إضافة إلى ذلك، نشأت في إسرائيل في السنوات الأخيرة، ردا على مأزق الرجال، منظمات اجتماعية وحركات رجولية تعني بمساعدة الرجال على التعاطي مع مكانتهم الاجتماعية الجديدة. واحدة من هذه المنظمات، منظمة "شيفا" التي تنظم لقاءات روحانية للرجال فقط، لعدة أيام في صحراء النقب، حيث يشارك مئات الرجال في حلقات ونقاشات عن أحوالهم، يخففون فيها عن أنفسهم ويعانقون الواحد الآخر بهدف إزالة الدروع التي يحملوها.

يقول مؤسس المنظمة، رفيق يديديا، عن حال الرجال ونشاطات المنظمة "الرجال يعانون لكنهم لا يجيدون لغة المشاعر كي يفصحوا عما بداخلهم. لذلك بادرت إلى إقامة حيز يقدر أن يتحدث فيه الرجال دون خجل على ما يؤلمهم وما يضايقهم" ويضيف "الرجال يصلون إلى الدورة التي نقيمها مدرعين جيدا والمهمة الأساسية هي إزالة هذه الدروع والاجتماع بهدف الحديث".