كنُس محروقة، مدارس مُدمّرة، محلات منهوبة، قتلى وجرحى في الشوارع - توثق عشرات الصور القلاقل التي مرت بها الجالية اليهودية القديمة في المدينة الساحلية عدن في بداية شهر كانون الأول/ ديسمبر عام 1947. بعد التاسع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر فورا، وهو التاريخ الذي أقرّت به الأمم المتحدة خطة التقسيم التي مهّدت الطريق لإقامة دولة إسرائيل، شنّ السكان العرب في المدينة هجوما على السكان اليهود. التقط أحد أبناء الجالية اليهودية صورا للقلاقل، التي قُتل فيها 87 شخصا من أفراد الجالية وأصيب عشرات آخرون. هذه الصور النادرة، التي يظهر بعضها في هذا المقال، محفوظة اليوم في بيت التراث اليمني، والذي أقيم قبل عدة سنوات في المبنى الذي يقع فيه كنيس مهاجري عدن في شارع ليلينبلوم في تل أبيب.

تحيي إسرائيل في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام، ذكرى "خروج اليهود من البلدان العربية وإيران وطردهم"، وحُدد تاريخ هذه الذكرى بشكل رمزي ليكون في اليوم التالي من تاريخ 29 تشرين الثاني. كان شمعون ساسون، وهو في الرابعة والثمانين من تل أبيب، فتى في الخامسة عشرة عندما اندلعت القلاقل في المدينة. "سمعتُ الأنباء عن التصويت في الأمم المتحدة مع أسرتي عبر المذياع في منزلنا في عدن"، كما قال هذا الأسبوع في مقابلة لصحيفة "هآرتس". "بعد ذلك خرجنا من المنزل وتحدثنا حول من صوّت لصالح قرار تقسيم البلاد، ومن صوت ضده،ّ ومن امتنع عن التصويت. وعمّت الفرحة". ولكنها كانت سابقة لأوانها وسرعان ما تبدّلت بالذعر. "لم يكن متوقعا ما حدث تماما وكان مفاجأة"، كما وصف بعد شهر من ذلك عوفاديا طوبيا - عضو الوكالة اليهودية، في رسالة أرسلها إلى أرض إسرائيل.

منظر للدمار الذي لحق ببيوت يهود مدينة عدن عام 1947 (بيت التراث اليمني)

منظر للدمار الذي لحق ببيوت يهود مدينة عدن عام 1947 (بيت التراث اليمني)

في عدن، التي كانت في تلك الفترة مستعمرة بريطانية وتقع اليوم في اليمن، عاشت جالية يهودية قديمة مؤلفة من نحو 5,000 فرد، إلى جانب جالية عربية محلية. بدأت القلاقل في الثاني من كانون الأول عام 1947 واستمرت لثلاثة أيام. "في الثاني من كانون الأول ليلا، بدأ الثوار بحرق سيارات اليهود في شوارع المدينة"، كما وصف ساسون هذا الأسبوع. "ووصلوا في اليوم التالي إلى حارتنا. أصبحت الشوارع فارغة من تماما. ألقينا الزجاجات نحو مثيري الشغب". بعد مرور يوم من ذلك بدأ العرب بحرق المحلات، أماكن العمل والمنازل التابعة لليهود. "هرب بعض العائلات من منازلهم ووصلوا إلى منزلنا، الذي كان في وسط الحيّ. ففتحتُ الباب واستقبلتُ خمس عائلات"، كما أضاف، مشيرا إلى أسمائها وفق ما تذكره.

طلبت القيادة اليهودية المساعدة من البريطانيين، الذين كانوا يحكمون المدينة. ولكن، ردّا على طلبنا، وصل إلينا رجال شرطة بدو يعملون في صفوف القيادة البريطانية. "منذ تلك اللحظة بدأ الهولوكوست"، كما وصف طوبي في رسالته. "بدأ الثوار الهمجيّون بسرقة المتاجر اليهودية. ولكن وقف رجال الشرطة مبتسمين. بعد لحظات كان يمكن أن نرى كيف أنهم كانوا يساعدون على السرقة والنهب".

وقف أحد أفراد الشرطة هؤلاء قريبا من منزل ساسون، والذي وجدت فيه العائلات التي فرّت من تهديد مثيري الشغب مأوى. "أعلن البريطانيون حظر تجوّل. لم أكن أعلم حينذاك ماذا يعني ذلك، فصعدت إلى السطح لأشاهد ماذا يحدث في الشارع"، كما قال ساسون. "رأيت أمامي جنديا يحمل بندقية. انحنيت فأطلق النار تجاهي". لم أصب من الرصاصة، ولكن أصيبت إحدى النساء التي كانت ضيفة في منزلنا - بنينا مناحيم موشيه كوهين، التي كانت حينذاك في ال15 من عمرها تقريبا. "اخترقت الرصاصة رأسها. فماتت فورا. وحدثت فوضى كبيرة في منزلنا"، كما قال. طيلة ثلاثة أيام اضطرّ السكان إلى البقاء على مقربة من الجثّة، حتى كان يمكن إخلاؤها إلى مقبرة جماعية. "أخرجنا الجثة من المنزل وهي مغطاة ببطانية"، كما أضاف، وانفجر باكيا.

منظر للدمار الذي لحق ببيوت يهود مدينة عدن عام 1947 (بيت التراث اليمني)

منظر للدمار الذي لحق ببيوت يهود مدينة عدن عام 1947 (بيت التراث اليمني)

"تعرض كل يهودي دعا إلى المساعدة أو صعد إلى السطح لإطفاء الحريق في منزله أو الفرار منه، إلى وابل من الرصاص. تفطّر القلب من الصرخات الجنونية في حيّ اليهود. تعرضت كل منازل اليهود للتشققات إثر إطلاق النيران. حُرِقت المنازل الواحدة تلوَ الأخرى. سقط عشرات القتلى واحدا تلوَ الآخر"، كما وصف طوبيا، الذي وُلد في عدن عام 1920، وهاجر إلى إسرائيل في طفولته ولكن عاد إلى عدن عام 1945 من أجل تنظيم هجرة اليهود اليمن إلى البلاد.

فقد جبريئل دافيد، الذي كان طفلا حينذاك، جدّه يحيى في القلاقل. تستند ذكرياته إلى قصص سمعها من أسرته في كبره. "قُتِل 87 يهوديا رميا بالرصاص، ذبحا وحرقا حتى الموت. أطلق قنّاص النيران على رأس جدي"، قال دافيد هذا الأسبوع. حدث ذلك بعد أن صعد إلى سطح المنزل لإطفاء النار التي انتشرت في المكان. "لم يمت على الفور"، كما أوضح. "كان ينزف طوال الليل في المنزل". كان ابن يحيى، تسيون، طفلا في التاسعة في ذلك الوقت. "جلستُ قربه في السرير وكان يئنّ طوال الوقت. كان ينازع أمام أعيننا"، كما قال في شهادة فيديو وثّقها دافيد ورفعها إلى اليوتيوب في إطار عمله لتوثيق تراث الجالية.

في اليوم التالي وصل طاقم الإسعاف لنقل يحيى إلى المستشفى. أصيب أخوه، حاييم، الذي ساعد على إخلائه، برصاصة أيضا. وقُتل الطبيب، الذي لم يكن يهوديا، إثر إطلاق النار عليه. استمرت الاضطرابات أيضًا في المستشفى الذي تم نقل يحيى إليه في النهاية، قبل أن يتوفى فيها متأثرا بجراحه. اضطر ابنه، شمعون، الذي رافقه، إلى الاختباء أيضًا في ذلك المبنى بسبب تهديد المهاجمين، الذين لاحقوه حتى هناك. "دخل العرب إلى المستشفى، وبدأوا بالسؤال: "أين اليهود"؟ كادوا يقتلونني"، كما قال دافيد.

اضطر شمعون إلى التنكر لمريض يتعالج في المكان، وبمساعدة طاقم محلي تمت تغطيته ببطانية كي لا يقتله مثيرو الشغب أيضًا. في اليوم التالي عاد إلى منزله. "كانت تبدو التعاسة على وجهه. لقد سقط على الأرض وبكى مثل طفل صغير"، كما قال تسيون. قُتل أخ آخر ليحيى، وهو سالم (شالوم)، الذي عمل مُطهرا وكان معروفا في الجالية، أثناء أحداث الشغب. "حاول العرب إجباره على اعتناق الإسلام"، كما قال دافيد. "لقد رفض، فقتلوه وقطّعوا أوصاله".

بعد ثلاثة أيام، عندما دخل الجيش البريطاني أخيرا إلى الحيّ اليهودي، انتهت أعمال الشغب. "في يوم الجمعة صباحا بدأ الجنود بجمع القتلى. انتقلت سيارة بين الشوارع وجمعت الجثث. نقلت كل عائلة الموتى إلى وسط الشارع وتولى لاجئون يمنيّون مهمة دفنهم في مقبرة جماعية دون إجراء مراسم جنازة. سُمع البكاء والنحيب في كل الشوارع"، كما لخص طوبيا، والذي أصبح لاحقا الملحّن والمدير الموسيقيّ لفرقة عنبال.

كتب يتسحاق شور، رئيس حركة "هحالوتس" الصهيونية التي نشطت في عدن، بعد القلاقل، في كانون الثاني 1948، رسالة إلى ابن عمه، موشيه شور، الذي كان يعيش في أرض إسرائيل. وصف في الرسالة الشرخ الفظيع طالبا المساعدة على هجرة الشبيبة إلى أرض إسرائيل. "حالة يُرثى لها"، كما كتب. "مرت كل عائلة بظروف لا يمكن وصفها، ويمكن تأليف كتاب منها. ولكن أقول باختصار أن الجنود قد تآمروا مع الثوار ضدنا ونفّذوا أعمال السرقة والقتل معا"، وفق أقوال يتسحاق.

منظر للدمار الذي لحق ببيوت يهود مدينة عدن عام 1947 (بيت التراث اليمني)

منظر للدمار الذي لحق ببيوت يهود مدينة عدن عام 1947 (بيت التراث اليمني)

وأضاف يتسحاق لاحقا: "أمرنا الجنود بعدم مغادرة المنازل. كل من حاول الفرار من البيت الذي تتصاعد منه النيران أطلِقت النيران عليه فورا. تُرك الناس أحياء في المنازل المشتعلة. ألقي البنزين على الرضّع وحرقوا. قطع العدو أجساد الأطفال إربا إربا. اقتلع عيون الشيوخ. وقطع جثث الرجال إلى قطع وألقِيَت في النيران. ومزق أثداء النساء. نشعر بحزن عندما نكتب عن تلك الفظائع التي لحقت بنا".

مع مرور شهر على القلاقل أقامت رابطة يهود عدن في أرض إسرائيل ذكرى للقتلى في كنيس الجالية في تل أبيب. ألقى موشيه نتانئيل، ابن الجالية، خطابا في المراسم. "هولوكوست مرعب حلّ بجالية عدن، وهي جالية قديمة جدا، قلقة على الدين ومقدّسات الشعب... لقد اهتزّت أركان هذه الجالية، وأصبحت بين عشية وضُحاها طائفة لاجئين"، كما قال. "يحتاج أفرادها إلى الشعور بالأمن والحرية اللتين سُلبتا منهم ثانية... من هنا يجب أن تخرج صرخة إلى الوكالة، مؤسسات الاستيطان، الجمهور الواسع، ويهود عدن في البلاد، لأن يعملوا على إنقاذ إخوتنا في عدن. تقع على جميعنا مسؤولية بذل كل جهودنا، لأن نساعدهم، ونمكّنهم من الخروج من وادي القتل واستيعابهم في البلاد كما لم يتسنَ لهم في أي وقت مضى".

إحدى الزوايا في بيت تراث الجالية، المجاور للكنيس، مخصصة لتلك القلاقل. أخبرت قصاصة من صحيفة "يديعوت أحرونوت" والتي تم الاحتفاظ بها في ذلك البيت القرّاء في البلاد بتلك القلاقل. "رسالة صادمة من مدينة القتل البريطانية"، كما جاء في الصحيفة. "دافع يهود عدن عن أنفسهم ببطولة وطردوا مثيري الشغب بسهولة، ولكن تخلت عنهم الشرطة، التي تعاونت مع القتلة". "دمّر مثيرو الشغب الجالية كليا، دمروها اقتصاديا، تعليميا، ودينيا"، كما قال هذا الأسبوع داني جولدشميد، وهو ابن إحدى الأسر الكريمة في الجالية، والذي أقام بيت التراث ويديره. "ليس هناك اليوم يهود في عدن. فقد أدركت الجالية أنّه ليس لديها ما تبحث عنه فيها"، كما أضاف. يمكن النظر في المكان إلى الكتب ومنشورات الذكرى التي توثق الجالية. في أحد المنشورات، التي أصدرتها جمعية يهود عدن، تم تخليد أسماء ضحايا أعمال الشغب الـ 87 - ومعظمهم من عدن نفسها وبعضهم من شيخ عثمان، وهي من الضواحي المجاورة.

تنقسم قائمة الضحايا الذين قُتلوا فهناك من مات إثر إطلاق النار عليه، مثل مناحيم منصور شموئيل، سعدة شموئيل عوامي، شوشن شلومو نيسيم وإستر سالم. وضحايا ذُبحوا بوحشية، مثل سليمان سعيد صنعاني، سالم سعيد معاطي وشموئيل داود الفورصة. وضحايا ماتوا حرقا، من بينهم وهب إبراهيم حرازي، يعيب طوب أسياك، بالإضافة إلى خمسة أطفال، من سنّ سنة حتى ثلاث سنوات، وأسماؤهم غير معروفة، وضحايا تم تعريفهم كـ "مفقودين لا يُعرف مكان دفنهم"، من بينهم شمعون طيوب شعبين ومنصور حسن قزالة.

"ضحّت جالية عدن بـ 87 شخصا بسبب الإعلان عن دولة اليهود. كان كل ذنبهم هو إقامة دولة إسرائيل"، كما يقول ساسون، الذي اضطر إلى مشاهدة قتل الفتاة التي اختبأت في منزله أمام عينيه. فهو يشعر أن المأساة لم تنتهِ مع انتهاء الأحداث. بعد عدة أشهر من قيام الدولة هاجر وحده إلى إسرائيل. انضمت إليه والدته، التي كانت في الأشهر المتقدّمة من الحمل وإخوته لاحقا. بقي والده في عدن حتى 1967، وغادرها مع خروج البريطانيين منها.

"عندما قدمت والدتي إلى البلاد، ذهبتُ للقائها في مخيم في روش هاعين. عندما دخلت إلى الخيمة، رأيت أنها حامل. بعد شهر من ذلك رزتها مجددا، ولكني لم أرَ طفلا"، كما قال. عندما سأل والدته أين اختفى مولودها، فقالت إنه أثناء الولادة ماتت ابنتها. "هذا كل ما أعرفه. لم نتحدث عن هذا الموضوع كثيرا"، كما قال ساسون.

هكذا اجتمعت معا مأساتان مرّت بهما الجالية: بداية بالقلاقل، وبعد ذلك اختفاء الأطفال. في عدن أيضا، التي هاجر منها اليهود إلى البلاد، ترك أبناء الجالية بعض المفقودين. "ليس كل من أصيب في القلاقل عُثِر عليه في النهاية"، كما يقول ساسون. "هناك من اختفى ولم نعثر عليه. حتى اليوم لا نعرف مكان المفقودين".

البروفسور ميخال دافيد، طبيب جلد في مهنته وأخ جابي دافيد، يشعر بغضب من الدولة، التي لم تكلف نفسها بالحفاظ على ذكرى القتلى في القلاقل. "عندما يشار في المدرسة إلى التاسع والعشرين من تشرين الثاني ويتم الحديث عن القرار التاريخي في الأمم المتحدة وكل ما يتعلق بذلك، لا يقولون شيئا عن تلك المذبحة، المرتبطة مباشرة بذلك القرار. يا إلهي"، كما قال هذا الأسبوع.

"إنه من الفظيع القيام بهذه المقارنة، و لكن في مذبحة كيشينيف قُتل أشخاص أقل مما قُتِل في عدن. ربما لو كان لدينا بياليك (القصد لحاييم نحمن بياليك، أعظم الشعراء العبريين)، كانت ذاكرتنا ستبدو بشكل مختلف"، كما قال، مشيرا إلى القصيدة المشهورة "في مدينة القتل"، التي كتبها بياليك عام 1903 بعد زيارته إلى مدينة كيشينيف.

نشرت المقالة للمرة الأولى على صحيفة "هآرتس"