لا شك في إسرائيل أن معاهدة السلام مع مصر تشكل مصلحة استراتيجية هامة. بصفتي عشت في مصر والتقيت أشخاصا، يمكنني القول إن السلام بين البلدين هو استراتيجية هامة بالنسبة للمصريين أيضا وسيكون البديل أسوأ.

وإذا كانت هذه هي الحال، فكيف ما زالت العلاقات بين البلدين غير وطيدة، رغم مرور أربعين عاما منذ زيارة أنور السادات التاريخية إلى إسرائيل؟

ولقد سعى أنور السادات جاهدا للعمل وفق الاتفاق الذي وقّعه. ولكنه قُتِل قبل أن يكمل مهامه. وسعى الرئيس حسني مبارك إلى العودة إلى أحضان العالَم العربي لتزعمه، لهذا كان مستعدا للدفع مقابل العلاقات المصرية الإسرائيلية. وهكذا بدأت العلاقات المتبادلة بين البلدين بالتدهور رويدا رويدا. واختارت إسرائيل حينها عدم الرد، خشية من إلحاق الضرر بعملية السلام. ولكنها أخطأت ! واستمر تدهور العلاقات هذا أثناء حكم الجنرالات وأثناء حكم الإخوان المسلمين لاحقا. بدأت فترة حكم عبد الفتاح السيسي في ظل هذه الظروف من العلاقات بين البلدين.

متظاهرون مصريون أمام مبنى السفارة الإسرائيلية في القاهرة، عام 2011 (AFP)

متظاهرون مصريون أمام مبنى السفارة الإسرائيلية في القاهرة، عام 2011 (AFP)

وهناك أهميتان لمعاهدة السلام مع مصر. الأولى، العلاقات الدبلوماسية المدنية. وهي تتضمن السفارات ومن ضمنها: السفراء، العلاقات التجارية، الاقتصادية، السياحية، السياسية، والزراعية: يمكن أن نسميها العلاقات المتبادلة.

والأهمية الأخرى هي الأهمية الأمنية والمذكوة في ملحق معاهدة السلام وليس في المعاهدة ذاتها. لهذا هناك أهمية أكبر للعلاقات التبادلية مقارنة بالعلاقات الأمنية.

لقد ارتكزت العلاقات بين البلدين بعد الهزة التي شهدتها مصر إثر الثورة في عام 2011 وصراعها ضد الإرهاب على العلاقات الأمنية فقط. يشكل هذا مشكلة يجب معالجتها، رغم أهمية العلاقات الأمنية الكبيرة.

ما الذي يميز العلاقات الإسرائيلية المصرية في وقتنا هذا؟

إضافة إلى العلاقات الأمنية - الاستخباراتية الهامة جدا كما ذُكر آنفًا، لدينا اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة (QIZ)Qualifying Industrial Zones: فهي اتفاقية ثلاثية بين مصر، الولايات المتحدة، وإسرائيل توفر مصدر رزق لآلاف المصريين. هذه هي الاتفاقية الوحيدة التي لدينا!

وماذا ينقصنا؟

لقد غادرنا السفارة الإسرائيلية في مصر بعد اقتحامها في أيلول 2011 ومنذ ذلك الحين ليست هناك سفارة كهذه. لا يوجد سفير، طاقم، علاقات زراعية، تجارية، اقتصادية، ثقافية، سياحية، دبلوماسية بين البلدين، وغيرها.

هل يكفي الاعتماد على العلاقات الأمنية بين البلدين فحسب؟

إسرائيل استجابت للمطالب المصرية لإدخال قوات عسكرية ومعدّات إلى سيناء (AFP)

إسرائيل استجابت للمطالب المصرية لإدخال قوات عسكرية ومعدّات إلى سيناء (AFP)

الإجابة لا! في حال استمرت هذه الحال، قد تشكل خطرا على معاهدة السلام لأنها لن تستند على المصالح المشتركة، التي تغزيها.

وفي ذروة الهجوم على السفارة الإسرائيلية في القاهرة، وبعد أن أبلغتُ عن إخلائها للسلطات، تلقيت اتصالا من مكتب المشير محمد حسين طنطاوي، وطُلِب مني ممارسة عمل السفارة الإسرائيلية في القاهرة. أدرك المصريون أن إخلاء السفارة وإغلاقها تماما، أشبه بقطع العلاقات. إذا أدرك المصريون ذلك حينها، فكيف لا تعرف إسرائيل هذا في وقتنا الحالي؟

ربما يكون الوضع الحالي مريحا للمصرييين. العلاقات الافتراضية جيدة دون أن يرافقها وجود إسرائيلي حقيقي. ولكن ماذا بالنسبة لإسرائيل؟ لماذا تشير إسرائيل إلى أن لديها وقت كاف؟ لماذا ترضى بالوضع الحالي؟

وفي الوقت الذي يتعرض فيه الشرق الأوسط لهزة، وتتشكل ائتلافات جديدة، تطور إسرائيل علاقاتها مع العالم السُّني وهذه خطوة هامة. تشكل مصر جزءا منه. لهذا، على القادة الإسرائيليين العمل فورا.

سفير إسرائيل في مصر، دافيد جوبرين (Flash90Hadas Parush)

سفير إسرائيل في مصر، دافيد جوبرين (Flash90Hadas Parush)

وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل استجابت للمطالب المصرية لإدخال قوات عسكرية ومعدّات إلى سيناء، أي تغيير الملحق العكسري لصالح مصر. هذه الخطوة هامة من أجل الأمن القومي المصري. هكذا يحق لإسرائيل أخلاقيا التوجه إلى الرئيس المصري وطلب الامتثال بمعاهدة السلام بحذافيرها.

ويجدر أن يتحدث رئيس الحكومة الإسرائيلية، نتنياهو، مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وأن يرسل مبعوثه الخاص إلى القاهرة شريطة أن يتوصل إلى تسوية تامة فيما يتعلق بعودة السفير الجديد، ديفيد جوبرين وطاقمه إلى مصر. واختيار مبنى للسفارة الإسرائيلية ليعمل فيها الطاقم الدبلوماسي. وتوفير المساعَدة المطلوبة للسفير وطاقمه للقيام بعملهم في كل المجالات. وإزالة التقييدات التي فُرضت في الماضي. لا يجوز الاكتفاء بما هو أقل من هذا. ويستحسن أن تسعى إسرائيل إلى العمل على هذه الخطوات سريعا.