جرت بعض المظاهرات في الأيام العشرة الأخيرة في المدن المختلفة تعبيرًا عن الحزن والقلق على غزة. كل يوم تقريبًا يخرج شباب في أرجاء الضفة بعد صلاة التراويح ويتواجهون مع بعض الجنود. والأماكن الرئيسية التي فيها نقطة عسكرية أو جولات تفقدية عسكرية وفيها تطورت مواجهات هي الخليل، القرى التي تحيط برام الله، ومخيّمات اللاجئين.

الفرق ما بين المظاهرات المقلصة في رام الله، التي تقمعها السلطة الفلسطينية بيد من حديد ، وبين المظاهرات الأخرى أن المتظاهرين يتجمعون في المنطقة "ب" وينطلقون من هناك إلى مواجهة الجيش. وتستمر السلطة الفلسطينية في الانصياع لتعليمات اتفاق أوسلو: في المقاطعة "أ"، مثل مركز رام الله، التي لها فيها صلاحية شرطية، لذلك تواظب السلطة على تنفيذ ما يُطلب منها- منع خروج مواجهات من "منطقتها".

"احتمال حدوث انتفاضة ثالثة ضئيل جدًا" (FLASH 90)

"احتمال حدوث انتفاضة ثالثة ضئيل جدًا" (FLASH 90)

تضمحلّ المصادمات والجرحى في مدن الضفة، في جنب المشاهد والتقارير القادمة من غزة. كذلك تضمحلّ التقارير اليومية عن مداهمة الجيش للأحياء المدنية، القرى والبيوت في الضفة واستمرار الاعتقالات العديدة للإمساك بالمسؤولين عن قتل الشبان الثلاثة.

وهكذا تستمر الحياة الفلسطينية في المسارات المقابلة لها، القتلى، الجرحى والدمار في غزة، "استنكارات" من السلطة للهجوم على غزة، إظهار الفرح بالصواريخ المنطلقة نحو إسرائيل، الغضب على من يحاول إخراج الناس للشوارع ويفشل، وعود السلطة بخطوات عديدة في الأمم المتحدة، يملأ متحدثو حماس الشاشات، مناوشات هنا وهناك، ورمضان بوتيرته الخاصة: تبدأ الحياة في الصباح متأخرة وبكسل، تعمل المكاتب الحكومية جزئيًّا، وهناك حركة قليلة للمواطنين في الشوارع الذين يتزوّدون بالحاجيّات لوجبة الإفطار وفورًا بعد الوجبة تعود الحياة إلى مجراها حين تمتلئ شوارع المدن الكبرى شيئًا فشيئًا بأناس يستمرون في متابعة ما يحدث في غزة.

حي من أحياء غزة بعد قصف إسرائيلي (Flash90/Emad Nasser)

حي من أحياء غزة بعد قصف إسرائيلي (Flash90/Emad Nasser)

"عدم الثقة" هو المقام المشترك لأكثر الإجابات لماذا ليست هناك مظاهرات. فالقيادة الفلسطينية في الضفة الغربية ليست معنيّة بإيقاد نيران الخلاف مع إسرائيل خشيةً من سقوط ضحايا آخرين. وما زالت عِبَر الانتفاضة الثانية تؤثر تأثيرًا جوهريًّا على العقلية الفلسطينية.

في الجهاز السياسي معضلات صعبة: من ناحية، تعرف السلطة الفلسطينية أن من أدخل المنطقة في دوامة عنيفة، هم رجال حماس الذين خطفوا وقتلوا ثلاثة شبان إسرائيليين، ومن ناحية أخرى، هنالك صوت واحد يقرر مجرى الأمور مع الحكومات الإسرائيلية والإقليمية وهو محمود عباس، وهو ليس معنيًّا في هذه المرحلة بتضخيم المعاناة الفلسطينية والدخول في مجابهة عنيفة مع إسرائيل في مدن الضفة الغربية أيضًا.

مظاهرات عنيفة في مدينة رام الله ضد الجيش الإسرائيلي (Flash90\Issam Rimawi)

مظاهرات عنيفة في مدينة رام الله ضد الجيش الإسرائيلي (Flash90\Issam Rimawi)

كذلك، يؤثر الانقطاع الجغرافي بين الضفة والقطاع كثيرًا على عدم انتشار المظاهرات. هناك انقطاع كبير بين المقاطعات الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية وبين غزة. يمكن في كل مدينة فلسطينية رؤية ردود فعل مختلفة، والردود في نابلس عنيفة مقارنة بردود الفعل في رام الله وهكذا دواليك.

مع غياب الثقة بالقيادة الفلسطينية، وغياب الاتفاق بين الفصائل الفلسطينية المختلفة، يؤدي التمزق بين حماس وفتح والبعد الجغرافي بين الضفة وغزة حاليًّا إلى احتجاجات محدودة ومحلية فقط.